طفلة في الثالثة، أو ربما في الرابعة، مستكينة بحضن والدها، تكاد عيناها لا تفارقان وجهه، ترصد كل حركة وتعبير يصدر عنه، تبدو وكأنها ترقب الكلمات وهي تخرج من بين شفتيه فتتهجى معه كل حرف، وبين حين وآخر تمد يدها فتلمس شعره أو أذنيه، كل ما تقوم به يقول للناظر ان هذه الطفلة لا تريد أن تضيع لحظة واحدة من لحظات القرب هذه، وكأنها تريد أن تملأ عينيها وأصابعها وذاكرتها بما تستطيع من والدها، وهو أمام ذلك يقبلها حيناً، ويداعبها حينا.
ولا يحاول أن يحد من حركاتها إلا إن حالت بينه وبين الناس الذين يحادثهم، فيبعدها فقط بما يسمح له برؤية محدثه، وفي القرب شابة ارتمت على كرسيها بكسل، فنظر إليها بغضب، لتسرع وتعدل جلستها، وأثناء ذلك كان يتحدث مع رجل يكبره بعدة سنوات، حتى انتبه أن والده يجلس بعيداً، فناداه «تعالَ يا حاج قرب خلينا نشبع من شوفتك».
هذا المشهد لم أره في منزل أو مطعم أو حديقة عامة، كان في قاعة المحاكمة في المحكمة الاتحادية العليا، خلال فترة الاستراحة، بعد أن خرج القضاة من القاعة، ولم يبق إلا المتهمون وذووهم، وطبعاً كان أيضاً رجال الشرطة المرافقون للمتهمين من حرس السجن، كل هؤلاء امتزجوا داخل لوحة إنسانية قلبت جميع التصورات السابقة، وما كنت أظنه عن معاملة المتهمين، وهي طبعاً صورة مستقاة أولاً من الأعمال الدرامية، ولكن في دولة الإمارات الوضع مختلف تماماً.
وتفاصيل هذه الدقائق تؤكد حقيقة واحدة، أن كل واحد من هؤلاء هو أب أو ابن، أخ وصديق أو زوج، نقطة حية تتلاقى عندها مشاعر مجموعة بشرية ما، ولكن الرائع أن هذا المعنى الإنساني، تجلى في إطار من الإجراءات الرسمية من إدارة المحكمة، والسلوك الإنساني الراقي من عناصر الشرطة المرافقة للمتهمين، الذين كانوا ينظرون إلى الإنسان في المتهم.
رغم أن عملهم هو التعامل معه على أساس ما اقترف وأخطأ، ولكن مع ذلك كانت صورة الإنسان متجلية في سلوك كل الأطراف الرسمية الحاضرة، حتى تعبيرات وجوههم كانت طيبة وفيها الكثير من روح هذه الأرض، بصراحة عجبت لذلك كثيراً ولكنني أعجبت فيه أكثر، كم هو رائع أن تتجلى إنسانيتنا حتى مع من تخلى عن انسانيته، لأنه يظل إنسانا، والإنسان هو غاية الوجود وعين الحياة.
لقطات إنسانية جداً، وكأنها من خارج إطار زمان ومكان وقوعها، القفص ليس من مكونات المكان، ولماذا يجب أن يكون، وهو في واقعه إجراء أمني مبالغ فيه مع متهمين مقيدة أرجلهم، والأهم من ذلك بوجود أسرهم، وربما أطفالهم؟
كان المتهمون بثيابهم الزرقاء في الجانب الأيسر من قاعة المحكمة، بينما تضم المجموعة اليسرى من الكراسي أسرهم وأهاليهم، ومن مكان غير بعيد يرقب رجال الشرطة كل حركة بعيون رجل الأمن ولكن بقلب الانسان، في كل المرات التي حضرت فيها جلسات المحاكمة لم أر رجل شرطة ينهر متهما، أو يعامله بخشونة، وكيف يفعل وهو إنسان، أب وزوج وأخ وابن، ويعرف ما معنى أن تكسر هيبة رجل أمام أبنائه أو زوجته، ويعرف أيضاً كيف ينكسر قلب الأب أو الأم إذا أهين ولدهما أمامهما، ربما تكون صورة الشرطي مخيفة في تصورات بعضنا.
وربما نتصور أن أكثرهم خشونة هم حراس السجون، لكن ما رأيته كان العكس تماماً، كان تجسيداً لفلسفة تقول ان هؤلاء الناس ربما أخطأوا ربما عاشوا حلماً ضل الطريق فقتل كل الأحلام، وأبعد أحبة وأعزاء، بعداً لا يقاس كما المسافات، فالحواجز جعلت الطريق إليهم ربما يمتد على مدى عمر، حتى أن عيني العجوز قد تغمضان دون أن تكتحلا بقرتهما.
وأحضان الشوق قد تستحيل رماداً قبل أن تمنح الدفء لقلب قتله صقيع الوحدة، لذلك كانت تلك اللحظات بين جلسات المحاكمة غالية جداً وثمينة، وكان لاحترام إنسانية هؤلاء هذه المعاني، فهم الضحية الأولى لما اقترفوا، وأحباؤهم هم ضحيتهم الثانية، وبعد ذلك يأتي بقية الضحايا، لكنهم مازالوا قيد المحاكمة، وقد جاؤوا من مختلف إمارات الدولة ليسمعوا كلمة القانون الأخيرة، ومهما كانت هذه الكلمة فهذه الطفلة تستحق أن تحتضن والدها، وذاك العجوز لم يجن ما يحرمه من أن يجلس قرب ولده، أصحاب القرار في القضاء الإماراتي يعلمون ذلك.
وحرصوا على أن يكون، وكان لا بد لنا أمام ذلك أن نعبر عن إعجابنا وعجبنا، وهنا لا بد من الاشارة إلى شائبة صغيرة خدشت تناغم هذه الصورة الإنسانية، ولا أعلم إن كان لنا أن نطمع بالمزيد ونطالب القضاء الاماراتي، بأن يجعل حضور المتهمين إلى قاعات المحاكم بالملابس العادية وليس ملابس السجن، من أجل طفلة كالتي حكيت قصتها.
والتي ربما يخرج والدها بريئا مما اتهم به، ولكن صورته ببذلة السجن ستظل راسخة بذاكرتها، إنهم متهمون وليسوا مدانين، وهذه الروح التي لمسناها في معاملتهم، يجب ألا تخدش، وتجاوزها ممكن أن يتم ببساطة، إضافة إلى أن ذلك يتناغم مع روح القانون التي تنظر إليهم كمتهمين فقط وليسوا مدانين.
أبوظبي - إيمان كلش