طالب خبراء واستشاريون تربويون بدخول التثقيف المالي إلى المدارس، وخاصة في المرحلة الثانوية، حيث تعد مرحلة نضج للطلبة، وهي بداية خطوات الحياة العملية بالنسبة لهم، وحذروا من أن افتقار الطلبة للوعي المالي وأساسيات الإدارة المالية يسهم في دفع الطلبة إلى الانحراف وإنفاق الأموال المتوفرة بين أيديهم في مجالات خطرة وخاطئة تتنافى مع العادات والتقاليد.
واعتبر خبراء التربية أن فقدان الطلبة للوعي المالي يرجع إلى المدرسة في عملية التوعية والتثقيف ولكن دور وزارة التربية والتعليم أن تسهم في دخول هذه التوعية في المنهاج الوزاري حيث يتسنى للطالب الاستيعاب، لافتين إلى أن الطلبة في بعض الأحيان لا يتقبلون النصائح من الاختصاصيين الاجتماعيين أو المرشدين داخل المدارس، إلى جانب رفضهم تدخل ولي الأمر في شؤونهم المادية من ادخار وتوفير، كما تسهم الفروق المادية بين الطلبة في خلق نوع من الحساسية بينهم.
كما ظهرت مظاهر جديدة في المدارس الخاصة، وقليل منها في الحكومية، وهى استخدام «الفيزا كارت» والحسابات البنكية، والتباهي بالمصروف اليومي، والتعامل بمبالغ مالية كبيرة داخل المدرسة. تقول فاطمة المري الرئيس التنفيذي لمؤسسة التعليم المدرسي في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي: إن مسؤولية انحراف الطلبة أو استخدامهم الخاطئ لإنفاق الأموال تقع على أولياء الأمور، وقسمتهم إلى نوعين؛ النوع الأول هو الذي يعطى الطلبة أموالا ببذخ يريد أن يعوض ما فقده منذ الصغر، والنوع الآخر لا يتابع أو ينتبه إلى المبالغ التي يصرفها أبناؤه، لافتة إلى أن الخطأ الكبير هو عدم معرفة ولي الأمر أين يصرف ابنه هذه المبالغ.
وأضافت المري، أن ولي الأمر عليه متابعة الحساب البنكي شهريا أو مرة كل ثلاثة شهور على الأقل، إذا كان لدى ابنه حساب بنكي، وفي حال ظهور أشياء جديدة من الالكترونيات أو غيرها لابد من طرح سؤال عليه من أين لك هذا وأنت مصروفك قليل لا يكفي لشراء هذه الأشياء؟!. بالإضافة إلى متابعة «البلاك بيري» وغيره لأن هذه الإمكانات تسهم في إفساد الطلبة وانجرافهم نحو أشياء غير سليمة.
وأشارت إلى أي مدى يتم إعطاء الطالب هذه الثقة في إنفاق المال، وفي أي سن يتم إعطاء الحرية للطالب، موضحة أن هناك شخصيات عدة من الطلبة لديها عقول واعية والبعض الآخر لا يدرك أن هذه التصرفات قد تجرفه إلى أشياء غير سليمة، معتبرة أن الشخصية هي التي تحكم التصرفات وولي الأمر هو الأدرى بابنه .
وأوضحت المري أن هناك طالبا يصطحب معه مبالغ مالية كبيرة إلى المدرسة وآخر مبالغ متدنية فهنا يضر ولي الأمر بالطرفين لأن الطالب الذي لديه كافة الإمكانات قد تسهم في تغيير سلوكه وينجرف نحو الانحراف، والطالب الذي ليس لديه الإمكانات سوف يلجأ إلى أية وسيلة غير شرعية ولو كانت السرقة حتى يستطيع تحصيل ما يملكه زميله الآخر، أو ينقاد إلى أي شيء خاطئ.
وترى المري، أن خلق برنامج جديد من خلال فتح حساب بإشراف المدرسة ليتعرف الطالب إلى جميع الإمكانات المتطورة والحديثة للادخار حتى نصل إلى حل في ظهور هذه المشاكل التابعة لصرف الأموال ببذخ، وتشرف عليه المدرسة ودخول الوعي في المناهج المقررة لفئة المرحلة الثانوية.
الأبناء والمصروف والانحراف
وفي السياق ذاته، قال احمد عيد اختصاصي علم نفس واستشاري تربوي في وزارة التربية والتعليم، إن المبالغ الكبيرة في يد الطلبة وخاصة الذكور والدلال الزائد من أولياء الأمور يوقعان بأبنائهم في المحظور، ويكونان عاملا مساعدا لتلبية ميولهم السيئة ومساعدتهم على شرب السجائر والإدمان، والذهاب إلى الأماكن المخصصة للألعاب الالكترونية، أو المقاهي الليلية وغيرها، موضحا أن الطالب يجد هذه الأموال بسهولة، وتصيبه الحيرة في صرفها، فيجد أن هذه الأماكن تسهل عليه صرف المبالغ وتجبره على الرجوع إليها.
وطرح سؤالا: كيف نحمي أبناءنا من الانحراف؟ نشعر دائما الطالب أن حصولنا على هذه الأموال جاء بصعوبة ونعطيها له حسب الحاجة بطريقة مقننة ونحرمه منها فترة ثم نعطيه، ونتابعه في صرفها ونعلمه فوائد الادخار للأيام التي لا يجد فيها مصروفا، على مبدأ «احفظ فلسك الأبيض ليومك الأسود» .
وأوضح أحمد عيد أن توابع البذخ في الصرف من دون حساب تخلق منه رجل أعمال فاشلا، وكذلك رب أسرة غير معنى بالمسؤولية.وقال زكريا أحمد محمود مدير مدرسة المنارة الخاصة: إن طلاب المدارس بحاجة ماسة لتعلم أساسيات الإدارة المالية ونشر هذه الثقافة حتى يستطيع الطالب أن يواجه الحياة، والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من الناحية المادية، مشيرا إلى أن عملية التوعية لابد أن تأتي من جهات رسمية حتى تطبق من قبل المناهج التي يدرسها الطالب.
واقترح محمود ان تدخل هذه الأساسيات كجزء من الدراسات الخاصة بمادة الرياضيات، حتى يستطيع الطالب من خلال دراسته لها أن يكتسب ثقافة الصرف والادخار وتدبير الأمور، أو عمل دورات تدريبية مكثفة وورش عمل للطلاب تخدم الموضوع وتهيئ الطالب لمواجهة حياته المادية.
وأوضح، أن الفروق الاجتماعية المادية يمكن أن تخلق مشاكل سيكولوجية نفسية لدى الطلاب، ولكن من خلال التثقيف والإرشاد والدراسة نستطيع أن نعالج هذه الفروق، لأن المدرسة هي بوابة الحياة الحقيقية في شتى مجالات الحياة، وكل ما يتعلمه الطالب داخل البيئة المدرسية ينعكس عليه في حياته العملية.
فتح حساب توفير
ومن جانبه، قال الدكتور أحمد الخياط استشاري تربوي في وزارة التربية والتعليم: إنه بحكم عملنا في متابعة المدارس، نجد أن اصطحاب طلبة المدارس الحكومية للمبالغ المالية الكبيرة أو حمل «الفيزا كارت»، لا يقارن بطلبة المدارس الخاصة»، معتبرا أنه ليس من الخطأ أن يعطي ولي الأمر أبناءه «فيزا كارت» أو من خلال فتح حساب توفير في أحد البنوك حتى يتسنى للطالب أن يتعرف إلى أمور الادخار حتى تساعده في خوض الحياة العملية.
وأضاف أن نظام فتح الحسابات البنكية للطلبة معروف في معظم دول العالم المتقدمة، ولكن هناك دور كبير واقع على المدرسة وولي الأمر في عمليات التوعية والحث على استخدام وإنفاق هذه الأموال في أشياء مشروعة وليست مضرة بالنفس. موضحاً أن دور المدرسة يأتي من خلال ممارسة الاختصاصي الاجتماعي دوره في الحوار مع الطلبة حول الأمور المالية، أو الاستعانة برجل دين، وتشكيل محاضرات، بالإضافة إلى تفعيل مجالس أولياء الأمور، ويطرح عليهم عملية الادخار والإشراف على حساب أبنائهم، وطرح هذه الموضوعات في معسكرات اليوم الواحد على مستوى كافة المناطق التعليمية في الدولة.
الفهم الاقتصادي
واعتبر منصور شكري مدير مدرسة دبي الثانوية- بنين، أن تحقيق الفهم الاقتصادي من خلال المناهج الوطنية الجديدة يمكن تناميه لدى جيل الشباب، ومعرفتهم بجوانب الاقتصاد على الصعيد المحلى والعالمي، وتغرس في نفوسهم حب الاطلاع والمعرفة وتحليل ما يدور حولهم من أحداث وقضايا اقتصادية، وانعكاس ذلك على حياتهم اليومية.
وقال شكري، إن عددا كبيرا من الطلبة يعملون وهم بالمرحلة الثانوية، ويكملون دراستهم بجانب عملهم، فلابد من تهيئتهم لفهم معان عدة يمكن استخدامها في حياتهم العملية، منها التضخم الاقتصادي والبورصة والسوق المالي والانكماش والأزمة المالية، حتى يستطيعوا اقتراح الحلول المناسبة لهذه القضايا، والأخذ بها لنشر الوعي الاقتصادي بين أفراد أسرهم .
وأشار إلى أن هذا الوعي الاقتصادي يتناسب مع تفاوت الدخل لأفراد المجتمع، ويندرج تحت مسمى الصرف الممكن على حسب الحاجة، مؤكدا أنا إعطاء أموال زائدة للطالب يسهم في إفساده وانجرافه نحو الأشياء الخاطئة، خاصة وأن المدارس يوجد فيها طلبة تتفاوت دخول أولياء أمورهم، وهو الأمر الذي ينعكس على الطالب.
توعية الأهل بمخاطر الظاهرة
قالت فاطمة السويدي مشرفة إدارية ومقررة الرعاية الطلابية وعضوة في مجلس أمهات دبي، إن توعية أولياء الأمور تتم من خلال مجالس أولياء الأمور التي نشارك فيها تحت مظلة وزارة التربية والتعليم، حيث يتبادل أولياء الأمور المناقشات حول المشكلات التي تواكب الطلبة، سواء داخل المدرسة أو خارجها، فيأتي دور المجالس مهماً في توعية الأهل بعدم إعطاء المال المفرط للطلبة، كون ذلك يشكل خطرا كبيرا على حياتهم .
واعتبرت السويدي، أن عدم السيطرة على الأمور المادية للطالب تخلق سلوكا عدوانيا للطالب الذي يحصل على مصروف يومي كبير، ونوعا من الحساسية بين الطالب الذي يحصل على مصروف قليل، فلذلك على أولياء الأمور أن يعطوا أبناءهم مصروفا متوسطا يناسب ساعات الدوام الدراسي داخل المدرسة.
دبي ـ رحاب حلاوة

