ثمة دول عديدة احتفت بالصورة السينمائية وحاولت من خلال رسالة الفن الحضارية إبراز تراثها وثقافتها، وأن تفعل وتنبه على صون تاريخها وحضارتها والحفاظ على تقاليدها العريقة.
وأثبتت الصورة السينمائية بمختلف أشكالها سحرها المدهش وقدرتها دوماً على حمل رسائل حضارية وإنسانية بالغة الأهمية، فهي تختزل الكلمات والمعاني وتملك الجماليات الجاذبة التي تستطيع توصيل أي رسالة إلى أوسع جمهور، وقد تكون الأكثر صموداً عبر الزمن.وتأتي أفلام الدورة الثالثة لمهرجان الخليج السينمائي كما يقول عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان في حواره مع «البيان»، أعمق قرباً والتصاقاً بملامح الإنسان وهمومه وآماله في منطقة الخليج، وعاكسة لثقافة وهوية هذا المجتمع الذي يطمح الجميع فيه إلى التواصل مع صورة العالم لتأكيد الدور الخليجي في صناعة الثقافة الإنسانية.
ويواصل جمعة قائلًا: مما لا شك فيه، أن برامج المهرجان المتعددة تقدم دوراً حيوياً وملموساً في تحفيز وتفعيل قطاع صناعة الأفلام في الخليج، والتي مازالت في مرحلة البدايات الطموحة، حيث تلعب دوراً محورياً في رسم ملامح المشهد الفني.
رؤية مستقبلية
وحول علاقة «الخليج السينمائي» بمهرجان دبي يقول: يختلف مهرجان الخليج عن مهرجان دبي السينمائي الذي يعتمد على إنتاجية عالمية، في حين يجب النظر إلى «الخليج السينمائي» برؤية أخرى مستقبلية، لأنه يعتمد على صناعة غير موجودة.
ويحاول أن يكون طرف في منظومة وضع أساس ومنصة لها، ولهذا أطالب بالصبر لتلك التظاهرة التي تستفيد من إنتاجية دول خليجية ليست لها باع طويل في صناعة السينما، ومع عام 2018 أي بعد عشر سنوات سوف نعود للوراء لنرصد ماذا فعل مهرجان الخليج* وعموماً في ثلاثة سنوات أثمرت التجربة عن 20 فيلماً روائياً بخلاف المئات من الأعمال القصيرة والتي تطورت من حيث النوعية والتقنية، كما صار للخليجيين السينمائيين بيت وأصبح لإنتاجياتهم منصة مهمة جداً تزداد قوة من عام لآخر، رغم تأكيدنا على أننا مازلنا في البداية.
جسر عبور
وعن سؤال حول ما الذي أضافه «دبي السينمائي» إلى مهرجان الخليج أجاب جمعة: مهرجان دبي السينمائي هو الذي يتعلم من مهرجان الخليج معنى العائلة وحالة الحميمية والتركيز على تطور واضح وملموس، كونه يقدم أفلاماً خاصة من منطقة جغرافية محدودة، مازالت الصناعة فيها في مرحلة التأسيس، ويستفيد «الخليج السينمائي» من مهرجان دبي بعالمية ضيوفه واعتباره منصة سواء من خلال برنامج «أصوات خليجية» أو أفلام «دي في دي» نقدمها سنوياً عن بعض الأعمال من دول المنطقة، لتكون جسراً للعبور إلى مهرجانات دولية أخرى وعيون أكثر قدرة على رصد هذه الظاهرة.
صندوق دعم
يجب أن تكون هناك أشياء كثيرة تساعد على إنتاجية الأفلام الخليجية التي تعتبر ثقافة وتنفيساً لمواهب ومهارات الشباب، هذا ما يؤكده جمعة ويوضحه في ضرورة دعم المؤسسات والهيئات الحكومية أو الخاصة، وبلورة هذا الدعم من خلال صندوق يدفع بصناعة السينما في الخليج إلى أوج ازدهارها، باعتبارها أرشيفاً للتطور الثقافي والحضاري والتجاري والعمراني، فالصورة اليوم هي ذاكرة الشعوب التي ترصد حقباً مهمة جداً في هذه المنطقة من العالم.
نقل الخبرة
وعن الدور الذي يؤدية «الخليج السينمائي» قال جمعة: بخلاف الورش الفنية العديدة التي نحاول من خلالها الارتقاء بإمكانات الشباب، هناك أيضاً الأفلام التي تأتي من خارج المنطقة وتعرض خارج المسابقة، وهي أعمال تأتي بصناع سينما من جميع أنحاء العالم للتحدث ونقل الخبرة من خلال الالتقاء وتبادل المعلومات عن مقومات ومعوقات صناعة السينما.
ولدينا في هذه الدورة تركيز على أعمال مخرج فرنسي يشكل ظاهرة متميزة وهو (فرانسوا فوجيل) ويتم عرض 16 فيلماً من إخراجه، بخلاف أكثر من مائة عمل من بلغاريا وألمانيا وأميركا وتركيا وباكستان وايطاليا وفنلندا وأسبانيا والهند وكندا ودول أخرى، وهذه الأفلام التي تعرض هي نقطة تفاعل لاكتساب الخبرات وعناصر مؤثرة في إيجاد حالة حراك للسينما الخليجية وتفعيلها وتأكيد مسارها ودعمها.
الجمهور والنقاد
وحرص جمعة على إبداء تخوفه من الجمهور والنقاد ملخصاً ذلك بقوله: أطالب الجمهور بحضور فعاليات مهرجان الخليج السينمائي فهي بالفعل ممتعة وشيقة والدعوة مجانية لمشاهدة الأفلام في جراند سينما بالفاستيفال سيتي، كما أطلب من النقاد وأيضاً الجمهور عدم الاستعجال في الحكم والنقد السلبي، بل نريد النقد الدافع للأفلام ونحن في لجنة اختيارات الأعمال نؤكد على الشدة والصعوبة، لأننا نريد الأفضل ولا نتساهل حتى نضيق الخناق على الأفلام الضعيفة ونعرض الجيد منها فقط.
رسالة عرفان
وعن «جوائز تكرم الفنانين» صرح جمعة: تأكدت فكرة التكريمات في «الخليج السينمائي» ليس فقط لأننا قدمناها في مهرجان دبي، بل لأنه من حق الخليجيين أن يكرموا وتم اختيار ثلاثة أسماء هذا العام وهم الممثلة رزيقة طارش من الإمارات والكاتب والممثل العراقي خليل شوقي والممثلة الكويتية حياة الفهد، وعندما تنظر إلى تاريخ المنطقة ستجد أسماء مخرجين وممثلين ومصورين لعبوا دوراً كبيراً خلال ثلاثين سنة مضت، وبالتالي يجب تكريمهم في رسالة عرفان وتقدير لما بذلوه من إبداع، في المجال الفني عموماً والسينمائي خصوصاً.
وجهه سينمائية
ولتوضيح ملامح الدورة الحالية أكد جمعة: يأتي مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثالثة كنتيجة طبيعية واستكمالًا لما حققته دبي من سمعة دولية كوجهة سينمائية ورائدة من رواد المبادرات في هذا المجال مثل مهرجان دبي السينمائي ومدينة دبي للاستوديوهات، وما نشاهده اليوم من أفلام وصل عددها إلى 112 فيلماً خليجياً ما هو إلا بمثابة اختبار للبحث والتجريب، من خلال مشاريع تزداد عاماً بعد عام لتكون أكثر عمقاً وتفتحاً على كل ألوان الصورة ومشاربها المتعددة، والأجمل هو في تكاثرها واستمرارية تواجدها التي أصبحت رافداً مهماً لرصد التجربة في منطقة الخليج العربي.
عروض اليوم
* يعرض المهرجان اليوم المجموعة الأولى من أفلام برنامج «تحت الضوء» الذي يحتفي في دورة هذا العام بالأفلام القصيرة التي نفذها المخرج الفرنسي الشهير فرانسوا فوجيل، وتشمل قائمة الأفلام المعروضة في (جراند سينما 7، بين الساعة 156 و556 مساءً) كلاً من: «السلطعونات» و«مطبخ» و«بعد المطر» و«لعبة القطط الثلاث الصغيرة» و«شارع فرنسيس» و«قطاف» و«منطقة ضاحكة» و«قيلولة تحت أشجار جوز الهند» و«سيرك مدهش حقاً».
* كما يعرض فيلم «لوغو راما» وهو من بين أبرز الأعمال التي فازت بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم تحريك قصير لهذا العام، وتولى إخراجه فرانسوا ألوكس ولودوفيك هوبلين وهيرفي دي كريسي، وتدور أحداثه في لوس أنجلوس وتعتمد بالكامل على أكثر من 2500 شعار إعلاني قديم وحديث، وسيعرض «لوغو راما» مساءً عند الساعة 309 في «جراند سينما 10» ومساء 10 أبريل 306 (جراند سينما 8) ويوم 12 أبريل عند الساعة 3012 ظهراً (جراند سينما 9).
* وضمن أفلام المسابقة الرسمية، يُعرض الفيلم البحريني «حنين» للمخرج حسين الحليبي، وذلك عند الساعة 159 مساءً (جراند سينما 5)، ويركز الفيلم على أهمية نبذ الطائفية ويسترجع عدداً من الحوادث التي عصفت بالعالم وتأثيرها في البحرين، مثل الحرب العراقية الإيرانية، والحرب السوفييتية على أفغانستان.
* أما برنامج «تقاطعات» فيقدم مجموعة رائعة من الأفلام البلغارية القصيرة، والبالغ عددها 15 فيلماً، وذلك بين الساعة 156 و407 مساءً في «جراند سينما 10».
* كما يشهد المهرجان أيضاً عرض خمسة أفلام إماراتية متميزة لنخبة من أبرز المواهب السينمائية الشابة في الدولة، بما في ذلك الفيلم القصير «صولو» للمخرج علي الجابري (جراند سينما 8، الساعة 306 مساءً)، والذي يروي قصة عازف موسيقي لم يجد فرصته في تحقيق هوايته الموسيقية، نتيجة لاستهجان الناس سماع أنغام هذه الآلة، بخلاف عرض أفلام «حبل الغسيل» للمخرج عيسى الجناحي.
حوار ـ أسامة عسل

