بعد أن توفي زوجها غرقاً في إحدى رحلات الغوص، كانت مجبرةً على مواجهة الحياة، وأن تمضي بعائلة ممتدة بين أبناء وأحفاد، نحو ترميم ذلك الفقد، وتأمين وضع أفضل، إما أن تخوض التحدي، أو تتراجع لتلعب دور الأرملة.. وتكرّس صورة أنثى خانها الحظ، استسلمت لخوض تجربة زواج أخرى، كان أبناؤها لا يزالون صبية صغارا، سلكوا طريق والدهم إلى البحر، وجددوا العهد مع موج التهم الأعزاء من الأهل.

تولت الأم والجدة حينها إدارة العمل من جديد، ووجهت السفينة إلى البحر مجدداً، وابتاعت قوارب الصيد الصغيرة، ليعمل على ظهرها ابناها وحفيدها، واحتفظت لنفسها بحق إدارة المال وصرفه، لا تزال صورتها وهي تنتظرهم على «السيف» لتتأكد من وصولهم، وتطمئن على سير العمل بالشكل المطلوب، معلّقة في أحاديث من شهدوا تلك الأيام، وقدرتها على احتواء العائلة وتربية الأبناء حكاية تنطوي على معان إنسانية كثيرة.. يتباهى بها أبناؤها ومن عاصروا امرأة جمعت في صفاتها قسوة النساء جميعاً وحنانهن.

بلغة اليوم هي امرأة عاملة، وذلك مفهوم حديث، مهّدت لظهوره الحياة المدنية التي كانت نتاج الاتحاد، الذي وسع دائرة الضوء، واحتضن المرأة بصورها، ومواقع عملها كافة، والمرأة في تاريخ الدولة لم تكن بحاجة للالتحاق بوظيفة أو الحصول على راتب شهري، حتى تؤثر في محيطها أو تحقق مكاسب لعائلتها، ولم يقف المجتمع القبلي حائلاً بينها وبين تطوير قدراتها، فالنماذج النسائية في تاريخ الإمارات، عديدة.

وتتحدث عن نفسها، وكثيرات منهن لعبن أدواراً ساهمن من خلالها في تغيير مجرى الأحداث، وتركن بصماتهن في حياة الأجيال التالية.

في جيل الحفيدات، يختلف الأمر قليلاً، إذ لا تزال تلك الفتاة الثلاثينية تتخذ من جداتها مثلاً دون أن تشعر، وهي التي انخرطت في دوامة الوظيفة باكراً لا تعتمد على وجود مُعيل للأسرة انحسر دوره تحت ظل شجرة الأم والأخت، ولا تستريح حتى تؤمن حاجة أفراد المنزل بنفسها..

تدفع راتب الخادمة، أقساط سيارة العائلة، فاتورة الكهرباء وأي التزامات أخرى، كالسفر والعلاج، «المهم ما يقصر عليكم شيء».

أما من لا يسمح ظرفها بالالتحاق بالوظيفة فلا تُشطب من قائمة النساء العاملات، فهي تتولى إدارة شؤون المنزل، وتربية الأبناء، فإدارة مؤسسة «العائلة» وظيفة حافلة بالتحديات، لا يكسب رهانها سوى امرأة من النوع الحديدي.

اليوم .. يتسع مفهوم المرأة العاملة مبنيً ويضيق معنيً، فاحتفى الجميع بالوزيرة، والسفيرة، وسيدة الأعمال، وتلك حتماً مواقع تُضيف لها المرأة الكثير، بينما أُهملت مهنة الأم وهُمشت «ربة المنزل» وتوقف الزمن عند صورة «المدام» و«الخادمة» وداهم الفساد مؤسسة «العائلة» لأسباب عديدة، بينما المشهد الحقيقي يحتفظ بصورة الجدة والحفيدة اللتين تتقاطع فيهما الخطوط مرات عدة، فإن اختلفت المواقع تبقى المرأة عاملة، في المنزل ..

في الفصل .. خلف المكتب، أو في المطبخ.. أنتِ على رأس عملك دائماً، فذلك التحدي لا يخضع لزمان أو مكان، في حين تبقى البطالة شماعة لا تتعرف إليها النساء.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae