كان يتصف بين أقرانه بالجبن والخوف الشديد، لدرجة أنه قلما يخرج من بيت أهله من بعد أن تغيب الشمس، ولم يكن متفوقا في دراسته وكنت عقدته اللغة الانجليزية فهو لا يعرف من كلماتها أكثر من أصابع يديه رغم وصوله إلى المرحلة الثانوية لذلك اضطر فادي أن ينضم إلى مجموعة من الطلبة ليشرحوا له ما يصعب فهمه وتقبله هؤلاء ليس حبا فيه وإنما ليتخذونه مادة للتسلية والتندر، إلا أنهم بعد مدة ضاقوا به ذرعا فدبروا له مقلباً لعله ينقطع تماما عن صحبتهم.

في ليلة ظلماء دار الحديث بينهم عن وجود كنز في مغارة تقع على أطراف القرية وأنهم يبحثون عمن يملك الشجاعة الكافية للذهاب إلى هناك واستخراج الكنز، وكان فادي يستمع إليهم وفرائصه ترتعد خوفاً، خصوصاً وأنه كان يتجنب المرور من تلك المنطقة في النهار فكيف يذهب إليها في منتصف الليل، لكنه فاجأهم بقوله أنا مستعد للذهاب الليلة إلى تلك المغارة.

وعند منتصف الليل حمل فادي كيساً وفأساً وقصد المغارة، وما أن اقترب من المكان حتى خيل له أن أغصان الأشجار التي تحيط بالمكان أشباح قادمة نحوه فتسمر مكانه وفكر بأن يعود أدراجه ويسلم بجلده، ولكن كيف يعود وهو الذي قبل من تلقاء نفسه تنفيذ هذه المهمة لتبديد صورته السيئة بين زملائه، فقرر المضي قدماً حتى وإن كانت العواقب غير محمودة.

كان الوصول إلى داخل المغارة يتطلب نزول عدة درجات، لكنه ما إن حط رجليه عند أول درجة لم ير شيئا من شدة الظلام فتمنى لو أنه احضر معه شمعة، حاول الاستعانة على هذا الموقف بقراءة بعض ما يحفظ من القرآن الكريم، لكن لسانه لم يسعفه لأنه التصق بحلقه، ولم تساعده ذاكرته حتى بنطق البسملة، ولا يعرف كيف وجد نفسه داخل المغارة.

وفيما هو حائر لا يعرف ما الذي سيفعله فإذا بذراعين قويتين تطوقانه من الخلف وتشلان حركته وما إن تركتاه حتى أطلق ساقيه للريح. كان صاحب الذراعين احد زملائه الأشقياء الذين دفعوه لاقتحام المغارة، إذ ارتدى لباسا أبيض وغطى وجهه بالطحين.

ولم يتركه رغم الرعب الذي أصابه بل انطلق يعدو خلفه بكل قوته، وكلما نظر فادي خلفه وجد علي يركض خلفه حتى قطع مسافة طويلة أوصلته إلى قرية مجاورة، وعندها بدأ علي يصرخ عليه يا فادي ارجع أنا علي، ولكن ما من مجيب، فما كان منه إلا أن عاد إلى زميليه واخبرهما بما حدث.

مرت ساعتان وأكثر رجع بعدهما فادي إلى بيت أهله ففتح له والده الباب ولم يستطع أن يعرف سبب رعبه فتركه ينام. في الصباح قص فادي على والده ما جرى له في تلك الليلة، فتوجه الوالد إلى مركز الشرطة وقدم شكوى ضد الأصدقاء الثلاثة الذين نالوا عقابا ساخنا على فعلتهم.

بعد غياب عدت للقرية فأخبرني الأشقياء الثلاثة أن فادي تزوج ورزق بطفل اسماه أسد، قلت لعله يريد أن يمحو من ذاكرته ما فعلتموه به قبل سنوات.

موسى أبو عيد