استغاثت 55 أسرة، تتكون من نحو 200 فرد، ويقطنون في خمس فلل تقع بمنطقة الزعفرانة في أبوظبي، بالمسؤولين في دائرة بلدية مدينة أبوظبي، لإمهالهم فترة زمنية مناسبة، قبل تنفيذ حكم محكمة البلدية بإخلاء مساكنهم، اليوم « الأحد» مؤكدين أنهم ضحية عملية نصب قام بها مستثمر عقاري، من دون علمهم، للاستيلاء أموالهم دون وجه حق.
وقال مستأجرون: «فوجئنا يوم الاثنين الماضي، بوجود إعلان من محكمة البلدية مثبت على جدران الفلل التي نستأجرها يفيد بأن حكماً قد صدر بتاريخ 12 ديسمبر الماضي، يقضي بضرورة إخلاء الشقق السكنية التي استأجرناها، في موعد أقصاه 28 مارس الجاري، الموافق اليوم الأحد، بدعوى وجود وحدات سكنية مخالفة. وقواطع داخلية وأبواب غير مرخصة، علماً بأنه لم يتم إعلام أي منا بالحكم في حينه، إلى درجة أن بعض مستأجري الوحدات سددوا للمستثمر المبالغ المستحقة للدفعة الإيجارية الثانية قبل أيام، وهناك مستأجرون جدد أبرموا عقوداً مع الشركة المستثمرة قبل عشرة أيام فقط».
وأضاف المستأجرون: «لسنا ضد أحكام القانون، ولا نطالب بتعطيل حكم قضائي، غير أنه انطلاقاً من مبدأ الرحمة فوق القانون، نطالب مسؤولي البلدية، بتأجيل التنفيذ، رحمةً بالأسر والأطفال الذين سيجدون أنفسهم من دون مأوى، بغير ذنب، بعد أن استولت شركة العقارات المستثمرة على أموالهم، وباعت لهم الوهم، بلا وازع من ضمير.وقال هيثم عبد الله النقبي « موظف حكومي» : إن قاطني الوحدات السكنية من الأسر المواطنة والعربية والأجنبية، وقد وفقوا أوضاعهم على أن هذه الوحدات تمثل مأواهم لفترة عام، ومنهم من سددوا القيمة الإيجارية دفعة واحدة، ولم يستفيدوا من العقار إلا بضعة أسابيع، مشيراً إلى أنه يعول أسرة صغيرة.
وليس له أقارب في إمارة أبوظبي، نظراً لأنه من مواطني الإمارات الشمالية، ويقيم في أبوظبي لظروف تتعلق بعمله، ولا يدري إلى من سيلجأ في حال أخليت الوحدات السكنية، بالقوة الجبرية كما ورد في نص حكم المحكمة.
وأضاف: إن عقدي مع المؤجر يبدأ بتاريخ 9 فبراير الماضي، أي منذ نحو شهر ونصف، وقد سددت له القيمة الإيجارية التي تبلغ 85 ألفاً دفعة واحدة، أي أنه أبرم العقود بعد أن تم إعلامه بحكم المحكمة بالإخلاء، ما يعني أنه كان يضمر شراً ويريد استغلال الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار العقارات في أبوظبي لجني الأرباح غير المشروعة.
وقال: إن المفارقة المضحكة المبكية في آن، تكمن في أن المستثمر قد أقدم على تأجير عدد كبير من الوحدات لصالح موظفين في جهات حكومية، مما يعني أن عقد الإيجار قد صدر لصالح هذه الجهات، ومنها عقود لوزارة الداخلية وعدد آخر من الهيئات المحلية والوزارات الاتحادية، من دون أن يعتريه الخوف أو يساوره القلق من خطورة ما يقترفه.
وطالب النقبي بمراجعة ومراقبة أساليب عمل الشركات العقارية والوسطاء الذين تسببوا في الفوضى العارمة التي يشهدها سوق العقارات «على حد تعبيره» ووضع عقوبات قانونية صارمة على مقترفي الاحتيال على المحتاجين، ومستغلي أزمة نقص وارتفاع أسعار العقارات في أبوظبي لجني الأرباح غير المشروعة.
ورداً على سؤال حول ما دفعه للتعاقد مع شركة عقارات، تمارس عمليات الاستثمار، من دون البحث عن شقة يستأجرها من المالك مباشرة، قال: إن المستثمر يعتبر في حكم المالك، ولديه تفويض منه، وهناك شح شديد في عدد الوحدات المعروضة في أبوظبي، مما يجبر الباحثين عن مأوى ؟
وهي حاجة إنسانية أساسية- إلى اتخاذ القرار الأصعب، ليرحموا أنفسهم من مشقة البحث المضني والتفتيش بلا جدوى، بالإضافة إلى ذلك فإن معظم الوحدات المعروضة للإيجار تابعة لمستثمرين، وقلما يجد الباحث عن مسكن شقة من المالك.
إعلان مفاجئ
وقال أحمد أبو القاسم «مهندس في شركة خاصة» : إن عقدي يبدأ اعتباراً من 19 فبراير الماضي، وتبلغ قيمته الإجمالية 85 ألفاً مقابل وحدة سكنية مكونة من غرفة وصالة.
وقد سددت للشركة المستثمرة مبلغ 45 ألفاً، وأودعت لديها شيكاً مصرفياً بقيمة 40 ألفاً بالإضافة إلى شيك آخر بقيمة 20 ألفاً على سبيل التأمين، مشيراً إلى أنه يعيل أسرة مكونة من زوجة وطفلين، وزوجته على وشك وضع طفله الثالث.
وأضاف: اضطررت للاقتراض من أجل توفير ثمن الوحدة الإيجارية، علماً بأني وافد جديد إلى الدولة، وليس لدي معارف يمكنني أن ألجأ إليهم، في حال لم تنظر البلدية بعين الرحمة إلى مشكلتنا.
وأضاف: حينما فوجئنا بإعلان تنفيذ الحكم موضوعاً على جدران الفلل، هرعنا إلى لجنة فض المنازعات الإيجارية، لتقدم لنا الغوث في هذا الموقف الخطير، فأكد لنا مسؤولو اللجنة، أن لا صلاحيات قانونية لها في هذه المشكلة، كون الحكم صادراً من محكمة البلدية.
وقبيل التوجه إلى محكمة البلدية توجهنا إلى الشركة التي أبرمت العقود، فلم نجد المدير العام، الذي أغلق هاتفه المحمول. وفي محاولة يائسة لاسترداد أموالنا حتى يتسنى لنا البحث عن مسكن آخر، التقينا بالمحاسب الذي أجاب علينا بلا اكتراث قائلاً: « لن تحصلوا على درهم واحد».
وقال أبو القاسم: عرضنا خيار إيجاد سكن بديل على سبيل الحل التوافقي، فأشاح بوجهه عنا، مؤكداً أنه حتى هذا الطلب لا يمكن تلبيته، فالتزمنا أقصى درجات ضبط النفس، نظراً لثقتنا في أن القانون سيقف إلى صفنا، ولإيماننا بأننا مجني علينا، ولسنا مذنبين.
وقال إبراهيم عبد الحليم « موظف حكومي يعول أسرة مكونة من طفلين وزوجة» : إن عقدي مبرم مع المستثمر منذ أقل من إسبوعين، وقد حصل على أمواله دفعة واحدة، مما يضعني في موقف بالغ الصعوبة، وينذر بكارثة محققة ستلحق بي وبأطفالي، مشيراً إلى أنه بعدما وجد أبواب الشركة المؤجرة مغلقة، قرر ومجموعة من المستأجرين اللجوء إلى محكمة البلدية، عسى أن ترأف بحالتهم الإنسانية.
وأضاف: إن أحداً من المستأجرين، لم يتلق إشعاراً من البلدية بوجود حكم بإزالة ما تعتبره البلدية تعديات، مما يجعلهم قد أخذوا على حين غرة دون أن يحسبوا للأمر حساباً، وعندما تذرعنا أمام مسؤولي البلدية بأن هذه الحجة كفيلة بأن يتم إرجاء تنفيذ الحكم، أكدوا أنه ليس من واجب البلدية حسب القانون أن تخاطب المستأجرين، وإنما يقتصر دورها على مخاطبة المؤجر.
وقال: لم نتلق إخطارا من البلدية، والمؤجر لم يكن حسن النية، بدليل أنه قام بإبرام عقود قبل تنفيذ الحكم بالقوة الجبرية بأيام، وهذا في حد ذاته، يعد استهانةً بأحكام القضاء، ودليلاً دامغاً على أنه تعمد التغرير بنا، والحصول على أموالنا من دون أن تعتريه لحظة تأنيب ضمير، والمأساة تكمن في أن الأبرياء هم من يتعرضون للعقاب جراء هذه المؤامرة الرخيصة.
وأكد مسؤولو البلدية للمستأجرين إن مشكلتهم الآن مع الجهة المؤجرة، لأن الحكم واجب التنفيذ كون المستثمر لم يقدم استشكالاً فيه رغم صدوره قبل ثلاثة أشهر.
وقال إبراهيم عبد الحليم: إن مسؤولي البلدية نصحونا بالتوجه إلى الجهة التنفيذية، وهي في هذه الحالة فرع الزعفرانة ببلدية أبوظبي، وهناك التقينا بمدير الفرع، علي طارش المحيربي، فقال لنا: ليس من صلاحياتي تأجيل تنفيذ حكم قضائي ساعة واحدة.
امنحونا مهلة
وقال مصطفى غازي « مهندس في شركة خاصة» : بعد أن اصطدمنا بالأبواب المغلقة، وأعيانا التعب جراء التنقل من لجنة المنازعات إلى الشركة المستثمرة، ثم بلدية أبوظبي ففرع الزعفرانة، توجهنا إلى دائرة القضاء بمحكمة أبوظبي لرفع دعوى مستعجلة، لإيقاف قرار الإخلاء، فوجدنا هذا الباب مغلقاً بدوره، لأن المحكمة ليست جهة اختصاص، كون الحكم قد صدر من البلدية، مما دفعنا إلى الاكتفاء برفع دعوى نصب واحتيال مستعجلة على المستثمر لمنعه من السفر، حتى لا يفر هارباً بأموالنا التي جمعناها بالعرق والكدح.
وقال: إن المشكلة مازالت قائمة، والبلدية تعتزم تنفيذ الإخلاء بالقوة الجبرية، صبيحة اليوم، ونحن الآن في حيرة من أمرنا، ولا ندري إلى من سنلجأ حتى ينقذنا من المصير المجهول والمخيف الذي يتربص بنا، وأموالنا مازالت في حوزة المستثمر الذي تجرد من إنسانيته، ورفض كل الحلول التوافقية التي عرضناها عليه.
البلدية: المخالفات مرفوضة وسلامة المجتمع أولاً
قالت بلدية أبوظبي إن البلدية تنظر بعين الاعتبار إلى أن كثيراً من السكان في الفلل المقرر إخلاؤها هم من العائلات ولديهم أطفال، ولذلك تريثت في تنفيذ الحكم لعدة أشهر ولاعتبارات إنسانية، تم خلالها توجيه عدد من الإنذارات للحث على ضرورة تصحيح الأوضاع وإزالة المخالفات التي تشمل الجدران المؤقتة، والمصنوعة من الجبس والأخشاب، وما إلى ذلك من مخالفات.
وأضافت البلدية في بيان صحافي لم تنسبه إلى أي من مسؤوليها: إن التريث ينبع من حرص البلدية على هذه العائلات، وإنها بذلك تمنحهم الفرصة لترتيب أوضاعهم.
ولم يجب البيان الصحافي على سؤال عما إذا كان ما يؤكده المستأجرون صحيحاً من أنهم لم يتلقوا إشعارا بالحكم، وأن أول ما وصلهم بهذا الصدد كان الإعلان المثبت على جدران الفلل، قبل أسبوع واحد من تنفيذ الإخلاء بالقوة الجبرية.
وتابع البيان: ونظراً لحرص البلدية على مصلحة وسلامة السكان والمجتمع عموماً، فإنها تدعو لإزالة المخالفات في الفلل والشقق والمباني السكنية والتجارية، التي تتم دون ترخيص، وإلا فإنها مضطرة لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين، لأن الاستمرار بالأوضاع المخالفة، يلحق مخاطر كبيرة على السكان وكثيراً ما تندلع حرائق وحوادث مؤسفة نتيجة للمخالفات.
وأضاف: إن البلدية قبل التنفيذ تتخذ سلسلة من الإجراءات، تبدأ برصد المخالفات وإنذار السكان وملاك المباني، لإزالة المخالفات، ويتم منح المدد الزمنية المناسبة لتصحيح المخالفات، التي تشكل تهديداً على أمن وسلامة وراحة السكان وصحتهم العامة، وتترك آثارا غير محمودة العواقب وتشكل ضغطا على الخدمات والبنية التحتية وغير ذلك من الأضرار.
وحسب البيان، تشمل الإجراءات المسبقة، توجيه الإنذارات، ثم في مرحلة لاحقة يتم قطع التيار الكهربائي على مراحل، ولفترات محددة قد لا تزيد عن ساعة أحياناً، بحيث لا تؤثر على السكان، وذلك لحثهم على سرعة التصرف بما تقتضيه مصلحتهم ولإعطائهم الفرصة الكافية للانتقال إلى مساكن أخرى.
وأكد أنه في حال لم يستجب السكان ولم يتجاوبوا مع الإنذارات المتكررة، أو لم يأخذوها على محمل الجد، تضطر البلدية ووفقاً للقانون أن تقوم بإزالة الملاحق غير المرخصة وغير النظامية، لأن هذه الإجراءات هي مصلحة السكان أنفسهم وتستهدف الحفاظ على أمن وسلامة المجتمع، وهو الأمر الذي لا تتهاون فيه البلدية إطلاقاً.
الوحدات المطالبة بالإخلاء حديثة وليست متهالكة
في جولة لـ «البيان» تضمنت ثلاث وحدات سكنية تبين أنه لا توجد في أي منها قواطع خشبية أو مادة الجبس، وأن الوحدات تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والنظافة العامة.
وحرص مستأجرون على دعوة مندوب «البيان» للدخول إلى وحداتهم السكنية للاطلاع على ما تعتبره البلدية مخالفات، مؤكدين أنه لا توجد حوائط أو قواطع مستعارة، وأن التعديلات على مساكنهم قد تمت باستخدام الخرسانة.
ولوحظ أن أربعاً من الفلل الخمس تعد أبنية حديثة وليست متهالكة فيما توجد فيلا واحدة قديمة نسبياً، علماً بأن قطاعاً كبيرا من المستأجرين أبدوا استعدادهم لأن تزال التعديات التي تعتبر ضارة بالصحة أو تشكل خطراً من منظور الدفاع المدني، مع الإبقاء على التعديلات العادية غير المضرة، على الأقل لحين انتهاء عقودهم.
وقالوا: إن مطالبتنا بمهلة مناسبة، لا تعني رفضنا لحكم القضاء، ولكن نظراً لأننا لن نتمكن خلال هذه الفترة القصيرة من إيجاد مسكن بديل، ولأننا غير مذنبين، ولأن المستثمر يرفض رد أموالنا.
وهناك قضية مرفوعة ضد حالياً، فإن الرحمة والاعتبارات الإنسانية تتطلب مراجعة حكم الإخلاء بالقوة الجبرية، ومنحنا المهلة حتى نهاية العام الدراسي حتى نستطيع توفيق أوضاعنا، وإرسال أبنائنا إلى وطنهم .
تحقيق - محمد مصطفى موسى وإيمان كلش


