موجة أفلام الكوارث التي تغزو شاشات العالم مصدرها هوليوود (مصنع الأحلام والكوابيس)، وسواء اتجهت عاصمة السينما إلى تغليف الحياة بالألوان الوردية أو صبغها بالطابع الرمادي فإن خبرتها بالاتجاهين يجعلها قادرة على تقديم بضاعة تبهر العيون ولمسنا ذلك في فيلمي «2012» و«كتاب إيلي».
ولا يحتاج المتابع إلى بذل الجهد كي يدرك ارتباط أفلام الكوارث بالمزاج السائد في بلاد العم سام، وبالتالي تفسير هذه الموجة بما يحيط بنفسية الشعب الأميركي من قلق وهواجس وإحساس بعدم الأمان، ليس بسبب تفجيرات سبتمبر الشهيرة وحسب، بل بحرب العراق التي فتحت أبواب الجحيم على كل من شارك بها وانعكس ذلك في أعمال كثيرة شاهدناها مؤخرا وحصد أحدها وهو «خزانة الألم» 6 جوائز للأوسكار هذا العام.فيلم «الطريق» الذي انطلق في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع من تلك النوعية، ويأتينا بعد عرضه عالميا في نهاية نوفمبر الماضي أي بعد خمسة شهور تقريبا، حيث عرض لأول مرة في شهر سبتمبر 2009 بمهرجان البندقية السينمائي ثم مهرجان تورينو السينمائي وحصد خلاله على جائزة أفضل ممثل، كما نال أفضل تصوير سينمائي ضمن جوائز البافتا الأخيرة.
وتأخير عرضه في الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط أمر مرتبط بلا شك بسياسة شركات التوزيع الداخلية، التي قد ترى أن إيقاعه البطيء ومشاهده التي تحتاج إلي إجهاد الذهن لفهم رسائلها، تتطلب جمهورا خاصا يقبل عليه، وبالتالي نزوله في هذه الفترة التي تشهد أفلاما عادية المستوى قبل موسم الصيف، من باب تحصيل قدر من الإيرادات لتغطية ميزانيته التي وصلت إلى 20 مليون دولار.
فيلم «الطريق» مأخوذ عن رواية أدبية بالاسم نفسه نشرت أول مرة عام 2006 للكاتب «كومارك مكارثي»، وكان قد كتبها في رحلة مع ابنه الأصغر جون وزوجته الثالثة التي انفصلت عنه، إلى إحدى الجزر المنعزلة لأنه بطبيعته يعشق العزلة، ومن هناك وفي أكثر من صباح مبكر يتكرر نهوضه اليومي من السرير.
وينتقل إلى نافذة غرفته المطلة على البحر ليلتقى أشعة الشمس التي تبدأ بالظهور فتتناثر خيوطها على صخور الشاطئ، وفي هذا الصمت الباعث على الرهبة كان وميض خيوط الرواية، حيث تساءل وهو ينظر إلى جون ولده الذي كان يغط في نوم عميق: ( ترى ماذا ستفعل لو عشت وحيدا في هذا الكون؟).
وبالفعل يتمخض السؤال عن رواية أخذتها السينما الأميركية لتصنع منها فيلما من أفلام الكوارث كتب السيناريو له «جو بينهال»، وبدون أسباب نرى الحياة مدمرة على الأرض، قتل فيها الجميع ومات حتى النبات والحيوان، واختفت الشمس واكتسح المكان اللون الرمادي المصاحب للبرد القاتل والجليد الذي لا يمكن المشي عليه، وتحول البقية من الناس إلى عصابات متوحشة تقتل وتفزع الآخرين أو جماعات لآكلي لحوم البشر.
ووسط أجواء الخراب والدخان والنار والأمطار والزلازل التي تقلع الأشجار من جذورها، تصبح مهمة الأب والذي قام بأداء دوره «فيجو مورتنسن» هو الدفاع عن ولده الصغير الذي أدى دوره ببراعة «سميث ماكفي» من أجل البقاء بعد انقلاب الطبيعة، لا يحمل معه سوى مسدس برصاصتين ليس للدفاع عنه وابنه، بل بقتل أنفسهما عندما يكونان عاجزين عن مواجهة الخطر.
وفي محاولة لتجاوز المحن والعثور على الغذاء والوقود خلال رحلتهما إلى الجنوب أملا في وضع أكثر أمنا ودفئا، يأخذنا مخرج الفيلم إلى متواليات من الأحلام مستخدما الفلاش باك في تناوله لقصة الزوجة التي تضطلع بأداء دورها النجمة «تشارلز ثيرون»، التي تفقد الإرادة على الذهاب معهما، وتتركهما في منتصف الليل لقدرهما المحتوم.
وتأتي مواجهات مع رجل عجوز شارف التسعين من عمره يواجه قسوة الحياة بعد أن هجره ابنه، وأخرى مع الزنجي الذي يسرق طعامهم نتيجة إحساسه بالجوع الشديد، وثالثه أمام الزوج الذي يدافع بالسهام عن زوجته وبيته ضد من يحاول اقتحامه، وتقفز الأحداث إلى إصابة الأب بسعال يجعله يبصق دما مما يرجح موته القريب وترك ولده وحيدا، فيحاول غرس قيم المحافظة على النفس في ابنه الصغير بخلاف إعمار الأرض.
فيلم «الطريق» أخذنا إلى عوالم مرعبه تهدد البشرية إذا انتهت الحياة، بلورتها السينما إلينا كواقع نكاد نتلمسه، وفي لقطات تقترب من الظلام وباستخدام تقنيات المؤثرات السمعية والبصرية والتي تعرض أشكال الدمار المحتمل حدوثها على الأرض، لا يجيب العمل على أي أسئلة بوضوح، ذلك أنه يوحي في مشاهده أكثر مما يصرح، وإيحاءاته مفتوحة على أكثر من تفسير من دون تعسف.
أسامة عسل

