سيشكل شهر ابريل المقبل موعدا تاريخيا بين الإمارات والعالم. تحديدا في المشهد الإعلامي، إذ سيتمكن المشاهدون في 160 مليون منزل حول العالم متابعة فيلم وثائقي عن «جامع الشيخ زايد الكبير»، بأكثر من 34 لغة مختلفة. الفيلم الذي صورته شبكة التلفزة العالمية «ناشونال جيوغرافيك»، عبر تواجدها في أبوظبي، تحت مظلة «أبوظبي للإعلام»، سيبث للجمهور المحلي والعربي على «ناشونال جيوغرافيك- أبوظبي»، يوم الجمعة المقبل، في تمام الساعة التاسعة.

يكتسب هذا الحدث أهميته من عدة عوامل: أولا، هناك توقيت البث، ومعناه وتداعياته، ففي الوقت الذي يعاني فيه العالم الإسلامي من تضخم في الأفكار المسبقة لدى الفكر الغربي، خصوصا منذ 11 سبتمبر 2001، وحيث تنتشر بشكل فطري المؤشرات السلبية التي تربط الثقافة الإسلامية بمعان مؤذية، تبدأ عند التعصب ولا تنتهي عند الإرهاب.. وفي الوقت الذي تتصدر فيه صورة المآذن والجوامع مجلات وصحف الغرب، معنونة، غالبا، بعبارات سلبية، تقدم الإمارات، من أبوظبي، إلى العالم أجمع، صورة الإسلام المحب والمنفتح والمتسامح. تلك القيم التي تعكسها رسالة المسجد، ورؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، الذي أراد أن يترك للعالم صرحا معماريا وروحيا، يجسد الثقافة الإسلامية العربية، وانفتاحها على الآخر.

يقول الدكتور علي بن تميم، رئيس مجلس إدارة مركز جامع الشيخ زايد الكبير، الذي حضر حفل إطلاق الفيلم مع مسؤولي «أبوظبي للإعلام» و«ناشونال جيوغرافيك»، في أبوظبي أمس، إن متوسط عدد السياح الذين باتوا يقصدون الجامع يوميا يتراوح بين ثلاثة وستة آلاف سائح، ويصل إلى سبعة في أيام الذروة. ويؤكد أن هذه الأرقام لا تشمل المسلمين فقط، بل الجنسيات المختلفة من كافة الانتماءات العرقية والدينية في العالم. ويعكس الفيلم، الذي تقف وراءه خبرة مؤسسة تصل إلى أكثر من 130 عاما، وتنتج سنويا مئات الساعات التوثيقية التي تتناول مواضيع الشعوب والحضارات والطبيعة والبيئة، الجهد الجبار الذي بذل في بناء هذا الصرح، على مدى أكثر من 12 سنة، ويتوغل في تفاصيل البناء، كاشفا للمرة الأولى عن معلومات لم تنشر من قبل. ينقلنا الفيلم في رحلة موجزة لساعة ونيف إلى شهور طوال من العمل على التخطيط والهندسة والبناء والتزيين.

متعرضا إلى تفاصيل مختلفة. بدءا من هندسة القبة التي يبلغ ارتفاعها 70 مترا، وصولا إلى طريقة تركيب الثريا العملاقة التي يصل وزنها إلى 12 طنا من الكريستال الأصلي، والتي تعد أكبر ثريا في العالم، وصولا إلى نسج السجادة العملاقة التي تفترش الجامع، والتي تعتبر أيضا الأكبر في العالم. سنذهب مع صناع الفيلم إلى ميلانو، ونتنقل بين الجبال ومكاتب الشركة المزودة بالرخام، الذي تصل مساحة كسوته إلى 120 ألف متر مربع. سيتعرف المشاهد على فلسفة البناء والتنفيذ، خطوة بخطوة، حيث إن كاميرات القناة صاحبت هذه العملية طوال السنوات الثلاث الماضية بشكل دؤوب.

يقول روهيت دسيلفا، مدير عام «ناشونال جيوغرافيك أبوظبي» ان مئات الساعات صورت آلاف اللقطات على مدى الشهور الست والثلاثين الماضية، تم انتقاء 40 ساعة منها، لتصفى إلى ساعة ونيف، هي مدة الفيلم، الذي سيكون متوافرا في مرحلة لاحقة أيضا على أقراص الدي في دي في الأسواق العالمية كافة. ويؤكد على رسالة القناة (والمجلة التي تحمل الاسم ذاته أيضا) في التقريب بين الشعوب، ونقل الميكانزمات الثقافية، من دون الاكتراث إلى أي توجيه متعمد أو أجندة:» لقد صنعنا فيلما عن تحفة معمارية أيقونية صممت لكي تبقى أكثر من ألف عام، ويعتبر هذا الجامع ثالث أكبر جامع في العالم.

أردنا أن ننقل حكايته للملايين من مشاهدينا، من البرازيل إلى السويد، ومن أميركا إلى اليونان ومن الهند إلى روسيا، وبلغاتهم.. نطمح أن يقرب من وجهات النظر وأن يساهم في مواجهة الأفكار المسبقة، لكن حين نصنع فيلما فنحن لا نتحرك بهذا الدافع حصرا».

العامل الآخر الذي يجعل الشريط الوثائقي موضع حفاوة، هو أنه الفيلم الأول في تاريخ القناة العالمية، الذي يتناول موضوعا من الإمارات. وإذا كانت البداية من أبوظبي، فذلك مرده، منطقيا، إلى الشراكة بين «أبوظبي للإعلام» و«ناشونال جيوغرافيك».

عن الجهة الأولى، يقول كريم سركيس، المدير التنفيذي للإذاعة والتلفزيون، والذي «هندس» الكثير من الشراكات والمشروعات الناجحة في مسيرة الشركة مؤخرا، ان «أبوظبي للإعلام» حريصة على لعب دور ثقافي حضاري في نقل القيم الإماراتية والعربية الإسلامية إلى العالم أجمع، وأيضا تقديم مادة ترفيهية ولكن ذات مضمون جدي في الوقت ذاته. ويتحدث عن خصوصية المناسبة.

جاذبية التوثيق

ركز الفيلم على رواية تفاصيل هندسة وبناء وتزيين الجامع، وصور للمشاهد حكايات عن أمور كثيرة من بينها:

-البيارق: وقد صنعت من مواد مطفية من الزجاج المذهب.

-الخطاطون: من الخطوط النسخ والكوفي والثلث وقام بخطها أشهر خطاطي العالم.

-الرخام: استخدم في التشييد من الداخل رخام ايطالي أبيض يدعى لازا وتم تنفيذه بايطاليا، ويذهب بنا الفيلم إلى ميلانو، ويصور أيضا عملية التركيب التي تطلبت وقتا طويلا، واستخدم في القاعة الرئيسية الرخام اللازوردي والأحمر والأزرق والأخضر مع الزجاج الذهب والموزاييك.

-المغرب: يتعرض الفيلم لدور المغاربة في صنع القبب، حيث أخذ المقاول القوالب الجبسية التي صنعها المغاربة، وتم إعادة تصنيعها بمادة أكثر صلابة ولها صلاحية طويلة الأجل تسمى «جي أر سي»

-السجادة: تحتوي على 25 لونا طبيعيا، وجاء اختيار تصميمها بعد عدد من المسابقات العالمية، واللون الرئيس كان اللون العشبي، نظرا لأن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله كان يحب اللون الأخضر.

الجامع تمجيد لثقافة الانفتاح

يلعب الدكتور علي بن تميم دورا حيويا في توصيل رسالة جامع الشيخ زايد الكبير، عبر رئاسته مجلس إدارة المركز الذي يحمل الاسم ذاته، والذي يهتم بالتواصل محليا وعالميا مع المراكز والشعوب، للتأكيد على الرؤية التي وقفت خلف هذا الانجاز. «البيان» حاوره عن الفلسفة البصرية للجامع، وقدرتها على مواجهة تحديات العصر الحديث.

كيف سيساهم هذا الفيلم الذي تهديه أبوظبي، وشعب الإمارات، إلى العالم أجمع، في ردم الهوة بين الثقافات، ومواجهة الأفكار المسبقة الشائعة في الغرب عن الدين الإسلامي، بعرضه حكاية هذا الانجاز المعماري البصري العظيم؟

الجامع، من الناحية البصرية، هو دعوة لتأمل الجمال وقراءته، والتحول من التفكير المقتصر على السمع إلى التفكير الذي يعتمد على البصر، ويكون فاتحة لحب الثقافة والإنسان والأشياء التي تستثير الفكر الجمالي وتعرض عليه. إن الثقافة البصرية من شأنها أن تدفعنا إلى أن نحتفي بحضور الآخر في حياتنا، والى التفاعل معه وفق حضور الجماليات الفلسفية والفكرية والثقافية التي يرتكز عليها الجامع في حضوره البصري.

ما هي القيمة الأهم، برأيك، التي أردتم إرسالها للعالم عبر الفيلم، وغيره من نشاطات ومشاريع المركز؟

أردنا القول ان الجامع يؤكد بما لا يدعو مجالا للتأويل بأنه ليس مكانا للقاء الإنساني فحسب، وليس معلما فريدا فقط في جمالياته المعمارية الإسلامية، وإنما مكان قد شهدت فيه فنون العمارة العالمية والدينية حضورا حميما يدلل بأن الإنسانية قادرة على ابتكار فنونها بشكل دائم ومستمر ومتماسك إذا ما وهبت رجلا حكيما قادرا على استلهام مواطن النجاح في وجوده المؤسس على تراث أصيل، مثلما فعل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

هل كان لكم حرية الإشراف على عملية التصوير؟ وما كانت حدود تدخلكم في السماح أو المنع؟

بالطبع كان لنا إشراف على الخطوط العريضة للفيلم الذي بذل جهد جبار في تصويره، يتأتى بالدرجة الأولى من التحدي الذي يواجه أي مخرج في نقل البعد الروحي الحقيقي للبناء، الذي هو بمثابة «عين» تفيض محبة وسلاما. نحن، في الوقت ذاته، نثق بتاريخ «ناشونال جيوغرافيك» العريق، وكنا متأكدين أن النتيجة ستكون على قدر عال من المهنية والجودة، وهذا ما سيشاهده الناس بعد غد.

هل هناك مشاريع مستقبلية، في الإعلام والثقافة، تتعرض للجامع؟

لدى المركز الكثير من المشاريع. والجامع سيحمل دوما رسالة التسامح والمحبة، وسوف يتم باسم المركز تنظيم مؤتمرات وورش عمل، وإطلاق جوائز، تراعي هاتين القيمتين.

تحت الضوء

مواصفات عالمية

تم اختيار «جامع الشيخ زايد الكبير» لكي يكون البناء الحديث الوحيد الذي يندرج في سلسلة «منشآت عملاقة» التي تعرضها «ناشونال جيوغرافيك». فهو، بحسب تقارير تركية متخصصة بالعمارة والفنون الإسلامية، يعتبر ثالث أكبر جامع بعد الحرم المكي الشريف والجامع النبوي.

ويتسع إلى 410 الاف مصل وتوجد به 3 قاعات أساسية للرجال وقاعتان أخريان متشابهتان، منها قاعة للسيدات وأخرى للرجال، وقد وفرت لهذه القاعات شاشات عرض، بالإضافة إلى وجود أبواب مشتركة بين القاعات. وخلف أشقف الجامع هناك عالم آخر يسلط الفيلم الضوء عليه، لا يعلم عنه المصلون والزوار شيئا، وهو عالم صيانة الجامع، وممرات كثيرة لهذه الخدمات.

الإضاءة القمرية

ركز الفيلم بشكل خاص على تبيان العملية المبتكرة والمعقدة التي تم استخدامها من أجل خلق أجواء بصرية تزيينية بالإضاءة، تتآلف وتتواصل مع ألوان وإضاءة الطبيعة. وأكثر ما يميز الجامع من الخارج هو الإضاءة الزرقاء التي تسطع من الجدران وهذه الإضاءة مبرمجة، ويتم تشغيل الجهاز والتحكم بدرجات اللون من خلال ضوء القمر من دون أي تدخل خارجي.

فالإضاءة الزرقاء مثلا تأتي عندما يكون القمر في مرحلة الهلال، ثم تعطي الإضاءة اللون الأزرق الغامق شيئا فشيئا، ثم بعد ذلك تتفتح تدريجيا إلى أن يصل القمر إلى مرحلة البدر ويصبح لون الجامع أبيض صافيا، وهذه الإضاءة مبرمجة بشكل تقني.

خطة

شراكات.. على الطريق

يعتبر كريم سركيس، المدير التنفيذي للإذاعة والتلفزيون، في «شركة أبوظبي للإعلام» أن الشراكة مع المؤسسات الإعلامية العالمية، مثل العملاق «نيوز كورب»، هو مفهوم مزدوج داخلي وخارجي، إذ يتيح للإعلام العالمي الحديث أن يدخل إلى المنطقة، بخبرات وإمكانات متراكمة، وفي الوقت ذاته يتيح للمنظومة الإعلامية الإماراتية الوصول إلى أسواق عالمية.

ويكشف في حواره مع «البيان» أن عددا إضافيا من شركات «نيوز كورب» الإعلامية هو في طريقه إلى حافظة «أبوظبي للإعلام» في الفترة القريبة المقبلة، وأن موضوعات أخرى من المنطقة سوف تغوص في عوالمها «ناشونال جيوغرافيك»، انطلاقا من أبوظبي، «مثل المملكة السعودية وغيرها الكثير». وعن الفيلم يقول: ما يمنح الخصوصية لهذه المناسبة هو قدرتنا على عرض الفيلم في المنطقة قبل عرضه في العالم.

لقد حرصنا على العمل بجد للوفاء بوعدنا بإنتاج المزيد من البرامج المحلية للمشاهدين، ويبرهن هذا الفيلم الوثائقي على التزامنا بتقديم محتوى حصري عالي الجودة لمشاهدينا في المنطقة فضلاً عن تقديمه المتعة للمشاهدين في باقي أنحاء العالم».

سلسلة

منشآت عملاقة

يندرج الفيلم الذي صورته «ناشونال جيوغرافيك- أبوظبي» عن «جامع الشيخ زايد الكبير» ضمن سلسلة أفلام أنتجتها القناة الفترة الماضية، ولاقت جماهيرية كبيرة في العالم، هي «منجزات معمارية عملاقة»، أو «ميغا ستراكتشير»، وقد ضمت من قبل صروحا عمرانية مثل الأهرامات والبتراء وقصر الحمراء وآيا صوفيا وغيرها، وتندرج حلقة «الجامع» ضمن هذه السلسلة.

يقول مخرج الفيلم الاسترالي بيتر لامب: «تطلب تسجيل أعمال تشييد الجامع التحلي بالصبر والبراعة والمثابرة والقدرة على تحمل الحرارة العالية، غير أن هذا العمل الشاق قد أتى بثماره بالتأكيد»، ويتذكر المخرج الذي قام بكتابة وإخراج ما يزيد على 110 برنامج تلفزيونية لحظة محددة بالقول:» لقد عشنا اللحظة السحرية عندما شاهدنا للمرة الأولى القاعة الرئيسية للصلاة بعد بدء تفريغها من السقالات فأدركنا في نهاية المطاف كم هو مهيب حجم هذه المساحة، إن توثيق هذه المساحة كان متعة حقيقية».

ويوثق الفيلم صورا مهمة عن زيارات شخصيات عالمية شهيرة إلى الجامع، من بينهم الأمير شارلز وزوجته، وغيرهما. ويركز في الوقت ذاته على يوميات العمالة، التي هي بغالبيتها مسلمة، في موقع البناء، وأدائها للصلوات خمس مرات يوميا في مصليات بنيت خصيصا في الموقع.

أبوظبي ـ إبراهيم توتونجي