أكثر من خمسة عشر عاماً، ومنظر أبنية الشهامة، المطلة على طريق أبوظبي- دبي، تصدم عيون المارة وتخدش تناغم المنظر العام، فالأبنية التي تداعت بفعل هبوط تربة المنطقة، تركها ساكنوها لتكون مرتعاً للقمامة والحيوانات السائبة، ومع طول مدة التقاضي بين لجنة خليفة ومقاول البناء، بقيت هذه الأبنية عرضة للإهمال، وما يخشاه سكان المنطقة أن تتحول إلى مكان يتعرض فيه أمنهم وأمن أطفالهم لخطر لا يمكن تقدير مداه.
ورغم انتهاء القضية في المحاكم قبل عدة أعوام، إلا أن بعض هذه الأبنية لايزال على حاله، فتبدو من بعيد، وقد نمت حولها الأشجار والنباتات عشوائياً، كبيوت الأشباح، بالإضافة إلى الحالة المزرية للأرصفة حول الأبنية نتيجة هبوط التربة المستمر، أما الرائحة فهي تشير بلا شك إلى وجود جيفة حيوان في طور التحلل. والسؤال هنا، هل يحق لملاك هذه الأبنية تركها على هذه الحالة من دون حل، ألا يتوجب على بلدية أبوظبي أن تجبر المالك على صيانة المبنى، أو على الأقل تنظيفه وإقفاله بشكل آمن، بحيث لا يسمح لأحد بدخوله أو رمي القمامة فيه. البلدية من جهتها أكدت علمها بكل بناء مخالف في المدينة، وتحدثت عن الأولوية القصوى التي توليها لكل ما من شأنه أن يهدد سلامة المجتمع والأفراد، بالإضافة إلى اهتمامها بإزالة ما يشوه منظر المدينة العام، وأشارت إلى إجراءات ستتخذها قريباً جداً. «البيان» زارت المنطقة وتحدثت إلى بعض القاطنين فيها، وتوجهت لبلدية أبوظبي بملاحظاتهم وشكواهم.
روائح كريهة
حسام عيسى من سكان المنطقة تحدث عن الأذى الناتج عن الرائحة المنبعثة من أحد المباني، وقال إن الرائحة الكريهة ربما تعود إلى كسر أنابيب الصرف الصحي أو تسريبات حدثت نتيجة لهبوط التربة، موضحاً أن أحد الأبنية الذي تمت صيانتها اكتشفت فيه هذه الحالة، ولكن لم تلاحظ إلا بعد أن أصبحت مأهولة، حيث ظهرت الرائحة بشكل أكبر، ولما فحصت الصيانة أنابيب الصرف الصحي وجدتها مهشمة نتيجة هبوط التربة.
ولم تذهب الرائحة إلا بعد أن بدلت شبكة المبنى بالكامل، وربما أن المباني المتبقية تعاني نفس المشكلة، ما يعني ضرورة فحص أنابيب الصرف الصحي الرئيسة في كل مبنى قبل إعادة تأجيره، منعاً لزيادة تأثير الروائح الكريهة في المنطقة.
نمو عشوائي للنباتات
إسماعيل إبراهيم صاحب مطعم مجاور للمباني المتصدعة، اشتكى من النباتات والأشجار التي نمت بشكل غطى على مطعمه بالنسبة للقادمين من بعيد، وقال إنه تقدم بأكثر من شكوى لتشذيب هذه الأشجار، لكن دون جدوى، كما أكد أن القمامة في المبنى المجاور لمطعمه وكذلك الرائحة الكريهة المنبعثة منها أصبحت لا تطاق.
وأضاف أنه سمع بأن البلدية أعطت مهلة للمالك لإصلاح الوضع، وربما هناك مشكلة بين المالك والبنك بخصوص المبنى، ولكن هذا لا يبرر الوضع القائم، وحول وضع الأبنية قال أنه ورغم هبوط التربة لم تقع هذه المباني، نظراً لقوة الأساسات، ومن السهل ملاحظة أن الأعمدة والزوايا لم تتأثر، والتشققات محصورة بالطابوق، ما يؤكد أن المباني تحتاج فقط إلى بعض الصيانة لتعود صالحة للسكن.
منطقة للمدخنين الصغار
محمد جميل من سكان المنطقة أيضاً، تحدث عن الأخطار التي تنجم عن وجود مباني مهجورة كهذه في مناطق سكنية، وأكد أن طلاب المدارس الذين يهربون من مدارسهم قبل نهاية الدوام يأتون بالسجائر لتدخينها في هذه المباني بعيداً عن عيون أسرهم، مشيراً إلى أن هذا ما يحدث بالنهار أمامنا، ولا أحد يعرف ما يحدث ليلاً ونحن نيام.
وأشار إلى حادثة سرقة مكائن تكييف المباني وبعض مواد البناء الغالية التي يمكن اعادة بيعها من المباني المتصدعة، وقال إنه وبالرغم من ضبط اللصوص، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود ما لا نعرفه، فهذا بناء مهجور، والأمر مفتوح على كل الاحتمالات.
قمامة وفئران
صاحب أحد المحال، رفض ذكر اسمه، أكد أنه نظف المبنى المجاور لمحله بسبب الفئران التي كانت تعيش فيه، حتى لا يؤثر ذلك في بضاعته، ولكن الحال عاد كالسابق، فكل من يريد رمي شيء أو تنظيف منزله أو محله، يرمي القمامة، أو المواد أو الأدوات التي لا يرغب بها، أو أكياس الطعام والشراب في المباني المهجورة.
كما أن الطلاب أو أياً من المارة، يرمي علب العصير الفارغة، لهذا على البلدية أن تتخذ الإجراءات اللازمة، فهي الجهة القادرة على إلزام الناس باحترام نظافة المكان، ومخالفة من يتجاوز.
استثمار المباني
محمد الحريري من سكان المنطقة، قال إن الوضع الآن أفضل، حيث كان الوضع قبل عام أسوأ، وكانت أكثر من ستة بنايات بنفس هذا الوضع، إلا أن الملاك ضمنوها لمستثمرين أصلحوا المباني وأعادوا تهيئتها لتصلح للسكن ثانية، وقد تم تأجير معظمها إن لم يكن كلها بفترة قياسية، ما عدا اثنين من المباني، ويعتقد الحريري أن السبب يعود إلى أن ملاكها يطلبون مبالغ غير منطقية لتضمينها، ودون أن يراعوا ما سيصرفه المستثمر حتى يهيئ المباني للتأجير.
عبد الحكيم صاحب أحد محال السوبر ماركت في المنطقة، قال إن هناك أشخاصاً كثراً يأتون، ويفحصون الأبنية ويصورونها، ولكن لا يعودون، ولا شيء يتغير، الآن أكثر من 15 سنة مضت على هذه الأبنية ولاتزال على حالها، في البداية سكنت هذه المباني لعدة سنوات، ولما زادت التشققات هرب السكان، ولم تسكن من وقتها، ولم يحاول أحد إصلاحها أو حتى هدمها.
إجراءات حازمة
عويضة أحمد القبيسي، المدير التنفيذي لقطاع الخدمة البلدية بالإنابة، قال إن بلدية مدينة أبوظبي على علم بأن هناك بيوتاً ومساكن مهجورة، وأن منها ما قد مضى عليه سنوات طويلة، وجميعها محصورة بالعدد والموقع والمنطقة، وأصحابها معروفون وكذلك أسباب تركها على هذه الحالة، ويتم توجيه إنذارات لأصحابها بضرورة إزالتها أو تصحيح أوضاعها.
وأكد القبيسي أن الإجراءات ستتخذ في المستقبل القريب شكلاً آخر، إذ سيتم مخاطبة اصحاب هذه المباني بضرورة إزالتها او التصرف بشأنها خلال فترة قصيرة يتم تحديدها، وإلا فإن البلدية ستقوم بإجراء ما يلزم بشأنها. كما أوضح القبيسي، أن تأخير التعامل مع بعض الحالات، كان لأسباب موضوعية ومنطقية وأحياناً إنسانية.
مثل ان يكون وضع هذه المساكن مرتبطاً بقضايا معينة، أو مرهونة او ان سبب التأخير بشأنها يتعلق بالورثة والمواريث التي لم تسوى لسبب ما، في هذه الحالات يتم النظر في الأمر، فإذا كانت المصلحة تقتضي بقاءها لفترة معينة على هذا الوضع، حتى ينتهي الاشكال المتعلق بها، فإن البلدية تعطي مهلة وفقاً لذلك فقط، الا في الحالات التي تشكل خطراً وتهديداً على امن وسلامة سكان المنطقة، فإن البلدية لا تتهاون بها.
وفي هذه الحالة يتم اتخاذ الإجراء اللازم بحقها فوراً، لما يخدم المصلحة العامة، لأن مصلحة المجتمع فوق كل المصالح، فالأولوية هي لأمن وسلامة المجتمع أولاً، وكذلك للحفاظ على المظهر العام للمدينة أولوية قصوى في جميع مشروعات البلدية ومبادراتها وأنشطتها، كما تشكل السلامة العامة وأمن وراحة سكان المدينة هاجساً رئيساً لها، وهي تعمل على إزالة ومكافحة كل العوامل والمسببات التي تؤثر في ذلك مهما كان نوعها.
وأضاف عويضة القبيسي، أن عمليات التفتيش تتواصل بشكل مستمر ومنتظم، من خلال الجولات اليومية لمفتشي البلدية في المركز الرئيس والمراكز الخارجية، أو على شكل حملات يتم تنظيمها بشكل دوري للقضاء على أي مشوهات للمدينة أو أي عوامل قد تهدد سلامة المجتمع، للإبقاء على العاصمة والمناطق التابعة لها بيئة امنة من الأخطار والآفات المختلفة، وأشار إلى أن هذه الحملات تستهدف البيوت والمساكن المهجورة وازالة ما يشكل منها خطراً على السكان والمجتمع.
وكذلك ازالة الاشجار التي تنمو بشكل عشوائي، وخاصة في المناطق السكنية وبين الفلل وعلى جانبي الطرق، وقد تم في الحملة التي تم تنظيمها مؤخراً (على سبيل المثال) ازالة 13 فيلا مخالفة في منطقة الزعفرانة، وفي العام 2008 تم إزالة عدد من البيوت والمنازل المهجورة في مناطق متفرقة من ابوظبي.
تحقيق ـ إيمان كلش

