ربما كان من أهم أسباب الإقبال على الأفلام الأميركية تعدد وتنوع اتجاهاتها، فضلاً عن جرأة بعضها وقدرته على نقد نظام وأسس سياسة دولة العم سام، بل لوم وإحراج رئيس الولايات المتحدة نفسه حتى لو تعرضت إلى الاتهامات بكونها ضد أميركا.

فيلم «المنطقة الخضراء ـ Green Zone» الذي يعرض في صالات السينما بالإمارات هذا الأسبوع نموذج لتلك الجرأة، ليس من الناحية الفكرية فقط ولكن من الناحية الفنية، فالفيلم أشبه بالتقرير المصور يتحدث عن الاستراتيجية الماكرة التي افتعلتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لتبرير غزو العراق، استغرق زمنه على الشاشة ساعة و55 دقيقة أجاد خلالها المخرج بول غرينغراس في ترجمة سينمائية رائعة لنص سيناريو مقتبسة أحداثه من كتاب «الحياة الإمبراطورية في المدينة الزمردية» من تأليف الصحافي راجيف شاندارا سكارا الذي يعمل في «واشنطن بوست»، وجاءت أحداثه متدفقة مليئة بالحيوية سواء في معلوماته الوثائقية المختلفة أو ذكاء تعليقاته المكثفة أو الانتقال بالمشاهد من حالة انفعالية إلى أخرى، فالفيلم ساخر متجهم أحياناً وفي أخرى يثير الضحك، وتارة مبلل بالدموع في لقطات ترثي ما آل إليه الوضع من فوضى عراقية عارمة.

كثيرة هي الأفلام التي تناولت قضية الحرب على العراق، بعضها منصف وبعضها محايد وأكثرها متحيز، لكن فيلم «المنطقة الخضراء» جمع بين التوجهات جميعها، لينعش ذاكرتنا بالأسباب الوهمية التي قادت إلى هذه الحرب المدمرة، مركزاً خطه الأساسي حول القيادة المدنية لمشروع إعادة الإعمار الأميركي في العراق، كاشفاً بصورة فجة أداء سلطة الائتلاف المؤقتة داخل المنطقة الخضراء في بغداد منذ سقوط العاصمة وحتى انتقال السلطة إلى العراقيين.

الزمان: مارس 2003، والمكان المنطقة الخضراء في وسط بغداد، يعود الفيلم للأيام الأولى للحرب في العراق، حيث يكلف ضابط التفتيش «روي ميللر ـ مات دايمون» وفريقه بالعثور على أسلحة الدمار الشامل التي يعتقد أنها مخزنة داخل مناطق مختلفة من المدن العراقية.

وحسب تقارير الاستخبارات الأميركية كان مطمئناً إلى أنه ذاهب لصيد ثمين، ولكن كلما توغل في التحقيق يكتشف هشاشة ادعاءات المخابرات الأميركية ومكائد وأكاذيب مسؤوليها، فليست هناك أسلحة دمار شامل ولا أي شيء من هذا القبيل.

وتزيح الأحداث الستار عن الصراع الداخلي بين أكثر من مؤسسة أمنية أميركية وخصوصاً في الـ (سي آي أيه) وتسريبها معلومات خاطئة، وتخلي بعض الأجهزة الحكومية الأميركية عن شخصيات من النظام السابق بعد أن أمدوها بمعلومات عن حقيقة الأوضاع في العراق قبل الحرب، تحت إغراءات العيش في مستقبل ينعمون فيه بالحرية الموعودة.

وفي هذه الأجواء يتعرض «ميللر» لمراقبات ومطاردات من المخابرات المركزية الأميركية التي يرغب بعض رجالها في تصعيد الأوضاع في المنطقة، والدفع بها نحو مزيد من التوتر، حيث ينتقد الفيلم غياب متخذي القرار في الولايات المتحدة عن متابعة الحقائق على الأرض، وفشلهم في إجراء تقييم سليم للأوضاع واحتياجات الشعب العراقي.

يكتشف «ميللر» أن الهدف الذي أرسل من أجله، ما هو إلا خدعة قامت بها الحكومة الأميركية لتبرير احتلال العراق، وأن الوجه الحقيقي للقصة يفضح مصالح خاصة يستفيد منها أطراف من الجانبين الأميركي والعراقي.

وفي إطار هذه المواجهة يبدأ «ميللر» في تعقب «محمد الراوي» أحد المسؤولين في نظام صدام، والذي يعتقد أن لديه مستندات موثقة بالأماكن التي تحتوي على أسلحة الدمار الشامل، والمطلوب ضمن الأشخاص الذين وضعت صورهم على أوراق «لعبة الكوتشينة»، ويساعد «ميللر» شاب عراقي معاق «فريد يوسف» يستخدمه كمترجم، لعب دوره خالد عبدالله، الذي أثار إعجاب المخرج بول غرينغراس بأدائه عندما مثل معه فيلم (يونايتد 93) عام 2006.

وتطغى مشاهد القتل والمطاردات على محاولات «ميللر» الكشف عن مؤامرة أسلحة الدمار الشامل، لكن لا تتجاهل الأحداث أيضاً الدور التضليلي الكبير للإعلام، واستغلال الإدارة الأميركية له من خلال شخصية «أيمي رايان»، التي تلعب دور مبعوثة أجنبية من قبل صحيفة «وال ستريت جورنال».

حيث يتم توريطها في نشر ملف عن «ماجلان» الذي توهمها المخابرات الأميركية بأنها تتحفظ عليه باعتباره العنصر الرئيس الذي يمدها بمعلومات حول أسلحة الدمار الشامل.

وفي نهاية الفيلم تكون المفاجأة عندما يصل «ميللر» إلى حقيقة أن «ماجلان» هو «محمد الراوي»، وخلال حصوله على معلومات ترشده إليه تنقلنا الكاميرا إلى المعتقلات والسجون وتظهر اللقطات بشاعة ما يتعرض له الشعب العراقي من تعذيب وترويع، في مقابل حياة الترف والهدوء واستجمام الأميركيين داخل حمامات السباحة في قصور صدام حسين.

قدم الفيلم مجموعة من الشخصيات العراقية، لعبها عراقيون وعرب (من بينهم انتشال التميمي أحد المبرمجين الأساسيين في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي)، ونجح في الاقتراب من البيئة العراقية رغم تصوير معظم أحداثه في مدينة «سلا» قرب العاصمة المغربية «الرباط»، وعكست مشاهده حقيقة المنطقة الخضراء، تلك الأميال السبعة المربعة الممتدة على نهر دجلة في الجانب الغربي من مدينة بغداد، حيث بالغ الجيش الأميركي بتحصينها حتى تحولت إلى فقاعة خيالية.

فيلم «المنطقة الخضراء» أقرب إلى الدراسة الواعية لأحداث مهمة في حرب العراق، وهو لا يخاطب العقل وحسب، بل يمس شغاف القلب، فلا أحد يمكنه أن ينسى مشهد الطوائف العراقية وهي تتنافر وتتناحر على طاولة الاجتماع، ليقول بيقين ونبرات غاضبة: شيء ما خطأ حدث في هذا البلد.

أسامة عسل