يرتبط ساحل الفانيلا في شمالي جزيرة مدغشقر، في أذهان الكثيرين على امتداد العالم، بواحد من أشهى توابل العالم وأفضلها مذاقا، وهو الفانيلا الذي تباع القرنة الواحدة منه في محال السوبرماركت البريطانية مقابل أربعة جنيهات إسترلينية، ولكن الوضع على أرض الواقع هو شيء مختلف تماما، وأقرب إلى الأجواء الكابوسية منه إلى لمحات الحلم المرتبطة بالفانيلا، التي تدخل في إعداد عشرات الأصناف من الحلوى والمأكولات اللذيذة.
والواقع، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، يشير إلى أن مليوني طفل على الأقل تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة من العمر يجبرون على العمل في مدغشقر، بدلا من الذهاب إلى المدارس، وعشرات الألوف منهم يعملون في مزارع فانيلا في ساحل الفانيلا، ويكسب الواحد منهم ما متوسطه أقل من 8 بنسات في اليوم.
وتقدر منظمة «يونسيف» أن 28% من أطفال الجزيرة، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و17 سنة،يعملون بصفة رئيسة في الزراعة وصيد السمك.
ويقول نوري، الذي يبلغ الثامنة من عمره، إنه يعمل في العناية بالفانيلا منذ أن كان في الخامسة من عمره، مع أخيه أندو الذي يكبره بعام واحد.
ويقول نوري، في المزرعة التي يعمل بها في أنجومبالافا على بعد 12 ميلا إلى الجنوب من مدينة سامبافا، التي تعتبر عاصمة الفانيلا في العالم: «إننا نعمل على امتداد ست إلى سبع ساعات يوميا ابتداء من الفجر».
وفي كل صباح، على امتداد سبعة أيام من كل أسبوع، يعمل الأخوان في العناية بقرنات الفانيلا في مساحة تفوق مساحة عدة ملاعب تنس. ويضيف نوري: «الكثير من أصدقائي يعملون في حقول قريبة من هنا، ونحن لا نذهب إلى المدرسة، وأنا أعمل من أجل عائلتي، وعندما يدنو وقت جمع المحصول، فإننا جميعا ننام إلى جوار النباتات لحمايتها، ويكسو النمل أجسامنا».
وفي أقرب مزرعة، والتي تقع على بعد 500 متر، يكدح المزيد من الصغار في لهيب الشمس، وقد كان جارو كلود، وهو في الثانية عشرة من العمر، يعمل في مزارع الفانيلا منذ أن كان في الخامسة من عمره، وهو يقول: «معظم أصدقائي في القرية هنا يعملون في الحقول،ونحن كعائلة مضطرون للعمل جميعا، وأخوتي لم يذهبوا إلى المدرسة قط، ولا أحسب أنني سأذهب إليها أبدا».
والإساءة الحقيقية هي أن الفانيلا لم يعد ينظر أليها على أنها مصدر مضمون لدخل يعتد به،وذلك على الرغم من الطلب الدولي الكبير عليها، حيث انحدرت الأسعار بشدة من 600 دولار للكيلو قبل ست سنوات إلى أقل من عشرين دولاراً للكيلو اليوم، وفي سوق يغمره العرض فإن صغار المنتجين يرون مستوى معيشتهم وهو ينحدر بشدة، من دون أن يكون هناك ما يمكنهم القيام به في مواجهة هذا الواقع المرير.
وفي غضون ذلك، يقول مزارعو الفانيلا الصغار إنهم مضطرون للاعتماد على قوة العمل غير مدفوعة الأجر التي يقدمها أبناؤهم، ويشير دياري، والد نوري وأندو بقوله: «إننا لم نتلق بعد مستحقاتنا عن محصول العام الماضي، وأبنائي لابد أن يعملوا، فمزرعتنا صغيرة، وعلينا أن نعمل كعائلة لتوفير المال، وربما يمكننا أن نبيع 10 كيلوغرامات من الفانيلا مقابل 300 دولار، أي أقل من دولار يوميا لإطعام عائلة مؤلفة من 7 أفراد».
ويصرخ دياري في أبنائه، مطالبا بالكف عن الكلام والعودة إلى العمل، ويقول: «إن الحياة أصعب بالنسبة لنا مما كانت عليه بالنسبة لأسلافنا، فهناك الكثير من الأغراب اليوم هنا، وقوتنا يسرقه مزودو الفانيلا الذين يغشوننا، وليس لدينا ما نحتفل به».
وهو يقصد بالاحتفال ما يعرف باسم «فاماديهانا»، أي عودة الأموات حسب التقاليد المالاجاشية، عندما تستخرج عظام أسلاف القرية، وتلف في أكفان جديدة، قبل التجوال بها في القرية، لكي يطمئن الأحياء إلى أن كل شيء على ما يرام.
وهو يلزم الصمت طويلا، قبل أن يقول متنهدا إن احتفال هذا العام سيغمره الكثير من الحزن.
