من عرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى وأوصافه العلى، وأكثر من ذكره في ليله ونهاره باسمه المتعال وجد نفسه عاجزاً كل العجز عن الثناء عليه بما هو أهله مهما بالغ في ذكر محامده وتتبع نعمه عليه، وقام بشكره عليها في جميع أوقاته بلا انقطاع.
ومن معاني هذا الاسم أنه المتعال عن الأنداد والأضداد (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فقد تعالى بجلاله وعظيم فضله وواسع رحمته عن الوجود كله.
والفرق بين العلي والمتعال في المعنى أن العلي: هو الذي لا تدرك ذاته ولا يحيط الخلق متفرقين أو مجتمعين بصفة من صفاته ولا يزيده تعظيم العباد علواً إذ هو عال بذاته وصفاته على سائر مخلوقاته غني عنهم وهم الفقراء إليه لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم.
والمتعال: هو العلي بذاته وصفاته وأفعاله عن سائر خلقه، المنزه عن إفك المفترين وغرور المغترين القاهر بجبروته كل من تحدثه نفسه أن ينازعه في صفة من صفاته أو يدعى لنفسه شيئاً من المكانة في هذا الوجود اكتسبها بقدرته كقارون الذي قال: (إنما أوتيته على علم عندي) وكفرعون الذي قال: (أنا ربكم الأعلى) وكالنمروذ الذي قال: «أنا أحيي وأميت».
(قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا تبتغوا إلى ذي العرش سبيلاً سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً).
فهو جل شأنه العلي الأعلى المتعال ذو العلا والعلاء والمعالي.
وقوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى).
وقوله جل شأنه: (وما لأحد عنده من نعمة تجرى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)
والأعلى: هو صاحب العلو المطلق فلا يقال هناك بالنسبة له جل شأنه عال وأعلى، فليس أحد من عباده له صفة العلو في أى شيء مهما ارتفع شأنه وعز جاهه بين الناس فهو أولاً وآخرا عبد ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فقير إلى خالقه ومولاه.
وإذا فهم المؤمن معنى هذا الاسم المقدس وأكثر من ذكر الله به ? اطمأن قلبه وخشعت جوارحه وكفكفت نفسه من غلوائها وغرورها وتواضع لمن خلقه وسواه وهو يعلم منقلبه ومثواه وارتفعت همته إليه جل شأنه وسلك سبيل التي هداه إليها في كتبه وعلى ألسنة رسله وتأدب معه في سره وعلانيته.
والأدب مع الكبير المتعال هو الطريق الآمن إلى مرضاة الله عز وجل لأن الله تبارك وتعالى غني عنا وعن عبادتنا فلا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا فلا نتمكن من طلب مرضاته إلا بالتأديب في حضرته، ولن نتمكن من التأديب في حضرته إلا بمعرفة نعوت جلاله بقدر طاقتنا البشرية.
فقل في دعائك: الهم إنك لم تشهدنا على خلق أنفسنا ولا على خلق غيرنا ولم تتخذ أحداً من المضلين عضداً ولم يكن لك شريك في الملك ولم يكن لك ولي من الذل فأنت الغني المغني المانع وأنت الضار والنافع لك الأمر كله وبيدك الخير كله وأنت على كل شيء قدير ولك الثناء الحسن الجميل.
نسألك اللهم عزاً لا ذل بعده، وغنى لا فقر معه، وأنساً لا كدر فيه، وأمناً لا خوف بعده، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واحشرنا يوم نلقاك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنك على ما تشاء قدير.
رجاء علي