هو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف القرشي الهاشمي أبو الحسن، أول الناس إسلاماً في قول الكثير من أهل العلم، ووُلد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبوك.

فلما غضب وأبدى أسفه، قال له صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»، وزوجه ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما آخى النبي بين أصحابه قال له: «أنت أخي» ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بغص بني أمية له.

وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً وروى عنه من الصحابة ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب وزيد من أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون.

ومن التابعين من المخضرمين أو من له رؤية عبدالله بن شداد بن الهاد وطارق بن شهاب وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام وعبدالله ابن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون، ومن بقية التابعين عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام حتى قال فيه أسيد بن أبي إياس بن وثيم الكناني قبل أن يسلم يحرص عليه قريشاً ويعيرهم به:

في كل مجمع غاية أخزاكم

جذع أبر على المذاكي القرح

لله دركم لما تذكروا

قد يذكر الحر الكريم ويستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم

ذبحاً بقتله بعض من لم يذبح

أين الكهول وأين كل دعامة

في المعضلات وأين زين الأبطح

وكان محل تقدير كبار الصحابة، ليس لمجرد قرابته للنبي صلى الله عليه وسلم أو مصاهرته، وإن كان كافياً غير أنه امتلك أسباباً أخرى تجذب أهل الإيمان إليه، منها صدق ولائه لربه، وزهده في الدنيا وبهرجها، وسعة علمه وآدابه، وفقهه في دين ربه، وإحاطته بفنون اللغة العربية، وحسن قضائه وفتاواه، وفروسيته وشجاعته وفتوته نصرة للحق ودحراً للباطل، حتى لا يطمع في إضلاله صاحب زيف، ولا يستميل مبطل، رضي الله عنه.

ونحن هنا نتكلم عن مآثره الأدبية، من شعر أو نثر، فأما الشعر فإنه من أسرة قالت الشعر على عادة الكثيرين من العرب في الجاهلية، إذ كان يسيراً على العربي نظم البيت أو البيتين أو الثلاثة، وربما أكثر من ذلك، ولكن من يعد من فحول الشعر منهم القليلون الذين تحفظ وتروى أشعارهم، في أسواق الأدب كعكاظ وذي المجاز.

وقد روت كتب التاريخ الأدبي للعرب قبل الإسلام، أن عبدالمطلب بن هاشم قال الشعر، وكذلك أبو طالب، كما نقل الرواة أشعاره ولا سيما ابن هشام في مدح قومه أو هجائهم أو عتابهم أو مدح النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب نصرته، كذلك وهب علي كرم الله وجهه، قول الشعر وتذوقه، ولأنه كان في شغل عن قرض الشعر وروايته بالقرآن وعلومه فإن ما نسب إليه من شعر هو قليل لا يضعه في مصاف الشعراء.

غير أن ما نسب إليه يدخل تحت تصنيف شعر الحكمة، أو التعبير عن النفس خصوصا الرجز عند القتال ومنازلة الخصوم، ولكن ما نسب إليه من النثر كخطبه أو مواعظ ودروس تعليمية، بما يكشف عن ثقافة قرآنية محمدية زاخرة، ولسان بصير.. فقد أورد الحافظ ابن كثير بعض ما نسب إلى الإمام من شعر ومنه قوله:

محمد النبي أخي وصهري

وحمزة سيد الشهداء عمي

وبنت محمد سكني وعرسي

منوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها

فأيكم له سهم كسهمي

سبقتكم إلى الإسلام طرا

صغيرا ما بلغت أوان حلمي

فمن هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته والكافر يأكل ويشرب، ويلبس ويتمتع، والمؤمن يجوع ويعرى، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين.

وذكر أيضا ابن كثير:

حقيقي بالتواضع من يموت

ويكفي المرء من دنياه قوت

فما للمرء يصبح ذا هموم

وحرص ليس تدركه النعوت

صنيع مليكنا حسن جميل

وما أرزاقه عنا تفوت

فيا هذا سترحل عن قليل

إلى قوم كلامهم السكوت

وذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء قال: قرأت بخط أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي في كتاب التهذيب له: قال أبو عثمان المازني: لم يصح عندنا أن علي بن أبي طالب عليه السلام تكلم من الشعر بشيء غير هذين البيتين:

تلكم قريش تمناني لتقتلني.. ولا وحدك ما بروا ولأظفروا

فإن هلكت فرهن ذمتي لهم.. بذات روقين لا يعفو لها أثر

يقال: داهية ذات روقين، وذات ودقين: إذا كانت عظيمة!

ولكن هذا التقرير الذي ذكره المازني فيه نظر، لأن الشعر يسير على الإمام، لتمكنه من أدواته، فضلاً عن موهبته البلاغية، ولقد جهد البعض في جمع مأثوراته وكلماته وهي كثيرة موفورة.

ومنها كتاب، نهج البلاغة «الذي وضعه الشريف، وقام على شرحه وبيانه عدة أعلام، منهم ابن ابي الحديد، والإمام محمد عبده، ويكفي للتدليل على أهمية الكتاب أن يقول الإمام محمد عبده عنه: «فأجدر بالطالبين لنفائس اللغة، والطامعين في التدرج لمراقيها أن يجعلوا هذا الكتاب أهم محفوظهم، وأفضل مأثورهم، مع تفهم معانيه في الاغراض التي جاءت لأجلها، وتأمل ألفاظه في المعاني التي صبغت للدلالة عليها. ليصيبوا بذلك أفضل غاية وينتهوا إلى خير نهاية، وأسأل الله نجاح عملي وأعمالهم، وتحقيق أملي وآمالهم».

ولقد حفظ التاريخ للإمام أنه أول من وضع النحو وفقد قواعده، عندما مر برجل يقرأ «إن الله بريء من المشركين ورسوله» بكسر اللام في رسوله، فوضع النحو وألقاه إلى أبي الأسود الدؤلي.

وتميز الإمام بأمور خاصة تدل على شدة قربه من النبي صلى الله عليه وسلم، ليست محل طعن ولامراء عن أحد، ومنها كمثال إئتمانه على مقام النبي صلى الله عليه وسلم وبياته مكانه ليلة الهجرة وأمره برد الودائع إلى أهلها، ثم الهجرة بأهل بيت النبي إلى المدينة..!

ومنها اختياره زوجاً لابنته، وكان يتمنى الكثيرون أن تكون من نصيبهم، لكنها كانت من نصيب علي بن أبي طالب على فقره وفاقته.

ومنها قوله: «اللهم وال من ولاه»، ومنها قوله: «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ومنها في غزوة خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله» ودعاه وكان يشكو من رمد في عينه، فمسح عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الراية، ففتح الله عليه، وقتل فارس خيبر، مرحب لليهودي الذي خرج يريد المبارزة، ويرتجز:

قد علمت خيبر أني مرحب.. شاكي السلاح بطل مجرب

أطعن أحياناً وحيناً أضرب.. إذا الليوث أقبلت تخرب

إن حماي للحمى لا يقرب

فقال علي هو الآخر:

أنا الذي سمتني أمي صدرة.. كليث غابات كريه المنظرة

أكيلهم بالصاع كيل السندرة

ففلق رأس مرحب بالسيف وكان الفتح على يديه..! وفي غزوة تبوك استخلفه على المدينة، فتأذى من ذلك، لأن نفسه تواقة إلى افتداء الإسلام ونبيه، فواساه بقوله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»..!

ومنها اختيار النبي صلى الله عليه وسلم له ليبلغ الناس بصدر سورة التوبة وفيها البراءة من المشركين وإبطال العهد معهم، رغم أن أبا بكر رضي الله عنه كان أمير الحج يومها غير أن إبلاغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغها إلا هو أو أحد من أهله، فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه، هو صاحب هذه الفضيلة، التي لم يصل إليها أحد من الأمة أولاً أو آخرا.

علي عبيد