قال الشيخ:يقول الإمام الغزالي رحمه الله: التوحيد جوهر نفيس وله قشران احدهما ابعد عن اللب من الآخر فخصص الناس الاسم بالقشر وأهملوا اللب بالكلية.
فالقشر الأول هو أن تقول بلسانك لا اله إلا الله وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث أو الإلحاد الذي شاع هذه الأيام في بعض الشرائح ولكنه قد يصدر عن المنافق الذي يخالف سره جهره.
والقشر الثاني ان لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاد وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق، والمتكلمون-أي علماء الكلام- حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة، والثالث وهو اللباب وهو أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط.
وان يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ، ويخرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى فكل متبع لهواه فقد اتخذ هواه معبوده، قال الله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) وقال صلى الله عليه وسلم (ابغض اله عبد في الأرض عند الله تعالى الهوى)،ويخرج عن هذا التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم فان من يرى الكل من الله عز وجل كيف يتسخط على غيره وهو توحيد الصديقين.
فانظر إلى من قنع من هذا القشر فهو كالإفلاس، كإفلاس من يصبح بكرة ويتجه إلى القبلة ويقول( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا) وهو اول كذب يفاتح الله به كل يوم ان لم يكن وجه قلبه متوجها الى الله تعالى بالخصوص ، فان اراد بالوجه الظاهر فما وجههه إلا إلى الكعبة، والكعبة ليست جهة للذي فطر السموات والأرض تعالى عن ان تحده الجهات والأقطار، وان اراد وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق في قوله.
وقلبه متردد في اوطاره وحاجاته الدنيوية ومنصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه والاستكثار من الأسباب ومتوجه اليها بالكلية، فالموحد هو الذي لا يرى الا الواحد ولا يوجه وجهه الا اليه ، وهو امتثال قوله تعالى(قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون)
فلا اله الا الله جوهرة نفيسة ولؤلؤة مكنونة مكانها القلب السليم وما تعبد الحق سبحانه وتعالى بأفضل منها،فان رددها اللسان دخل صاحبها في ملة الإسلام ولا تنفعه وحدها دون محمد رسول الله.
وتكرارها على اللسان مع التفكر بها والوقوف على شرفات معانيها يزكي القلب ويجعلها مستقرة فيه وفي الاثر انها قد تغلب على اكوام من السيئات بفضل الله ورحمته،اما استقرارها في القلب فهو حقيقة التوحيد فان خامرتها شكوك او ظنون او شبهات او بدع خيف على صاحبها سوء الخاتمة وهنا
لا بد من ان ننصح من لا يجد في نفسه المناعة الفكرية والقلبية الكافية الا يسلم سمعه لمروجي الضلالات والفتن حتى على محمل الاطلاع وقد كثر هذه الايام المشككون والمنافقون والمدلسون قان قوي على ذلك فلا باس بل لعله يكون على ثغر من ثغور الإسلام بالرد على أصحاب الضلالات.
اما توحيد الصديقين فهو الا يرى إلا الله وأفعاله وصفاته وأسماءه الحسنى فان تبع هواه كان في ذلك شرك خفي بمنطوق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (اله يعبد) وان رأى في فعله نفسه فأعجب بها ولم ير توفيق الله له لفعله أخرجه ذلك عن التوحيد الصافي توحيد الصديقين.
وان رأى غيره في فعله كان مرائيا وفي هذا شرك مخيف والحق سبحانه وتعالى يقول انا اغنى الشركاء عن الشرك، ويورد الإمام الغزالي رحمه الله مثالا من يتسخط على الناس او على الأيام أو على الظروف.
أو على الأقدار وهو كثير شائع هذه الأيام لا يدرك خطره الا ثلة من الناس،اذ ان التسخط يعني انه لا يرى الله هو وحده المصرف للأقدار المعطي المانع بل ينسب أفعال الحق الى المخلوقين ولا يتفق هذا مع خالص التوحيد كما انه لا يورث الا الهم والغم.
ماهر سقا أميني
