بعد إتمام مهامها المنزلية الصباحية، تلملم أملاً جديداً، تستحضر الطفلة، وترتدي قناع الأم، تتوجه يومياً لزيارة تُلغى من أجلها جميع المواعيد، حتى ابنتها المقبلة على الزواج، لا تجد وقتاً في روزنامة الوالدة لتشاركها فرحة الاستعداد، بينما الوالدة لا تلتقط أنفاس الراحة بعيداً عن الجدة، ولا تعرف حديثاً سوى ما تستحضره ذاكرة أم تشكو مرارة الشيخوخة، وتعاني آلام الكبر، فبينما تُقصر في حق أبنائها، تغيب عن محيطها القريب لتفي دين الوالدة، مكتنزةً شيئاً من صفاء الروح وطفولتها، وفي تلك أمومة لا تُخطئ ولو بعد حين.

تعتقد أنها مقصّرة، وتسوغ المبررات لابنتها: «باجر بتعرسين يا حبيبتي، والله بيرزقج العيال، وبتعرفين الأم وقدرها».

في الأمومة، «سوالف» تبقى عصيّة على النسيان، خجولة أمام سيل الكلمات والتعابير، وبين الأم والابنة والجدة، خيط وفاءً يتبين بياضه مع مرور الزمن، فالأمومة في تلك الحكاية: شعور لا يعترف بالزمن ولا ينطفئ.. يبقى ندياً وإن هبت رياح الخريف، واستبدلت الأشجار أوراقها.

تبدو «الأم» إحساس يُفقد باقي المشاعر ثقلها، يهبط على الروح، فيسلبها الاتزان والإحساس بالأشياء، بعد أن سافرت برفقة أبنائها في إجازة صيفية للقاء والدتها، شيء ما كان يحثها على البقاء، لا تدري إن كان شوقاً أو وفاءً أو طفولة ، أو كل ذلك معاً ..

أمضت الإجازة الصيفية، ومر على بدء الدارسة أيام، ولا تزال تتعثر في محاولات ترك منزل الأم، والعودة بالأبناء لاستئناف الدراسة، بعد أن اعتادت والدتها على وجودها فترةً طويلة .. هي تضعف أمام قرار السفر، عندها قررت العودة من بلدها مرغمةً، لأن الحياة لا بد أن تستمر، ولكن إحساسها ظل متسمراً أمام خبر ورد عن أمها التي فارقت الحياة بعد عودتها بأيام.

لأن «الأم» شعور لا يعترف بالمكان، ولا بالمسافات، فتحت أبوابها لاستقبال المُعزين، وجرت دموع الأم حزناً لفراق الأم، يبدو فقدانها يستدعي كل مشاعر الانكسار والألم، فهي إحساس يتجاوز المسافات.

الشعور بما يراود الأم وتفهمه، إحساس يصعب على الأبناء تخيله، فالحنان باعث على القسوة أحياناً، والخوف مُحرض على القيود أحياناً أخرى، بينما يبقى الحب بطلاً لكل الأدوار التي تلعبها الأمهات، وإن شابها الغضب أو السيطرة، أو حب التملك.

تدرون يا بناتي، أنا لو بيدي، أقفل عليكم الباب وأنا طالعة، عشان أعرف أنكم بخير ومحد بيسويبكم شي في غيابي.. هي التي تطاردهن بالهاتف إن سمحت لهن بالخروج، مبررةً تلك التصرفات «من خوفي عليكم يا بنتي».. وفي حرص الأمهات وقلقهن حكايات لا تنتهي..

لا تقتصر دائرة الحرص تلك على البنات، بل تتسع لتحتضن الأولاد، عندما كبر فقط أدرك حجم الألم الذي سببه لوالدته، عندما سمع عن حكايات شقاوته التي تسببت في فقد أمه لجنينها، حين قررت البحث عنه مشياً على الأقدام، في زمن متواضع الإمكانيات، وكم من مرة هدد حياته بالخطر، وكاد يُفقدها ابنها الوحيد، يدرك اليوم أن «الأم» إحساس تركع في حضرته المشاعر.

لكل من يمارس الوفاء للأم على مدار اليوم .. والشهر والسنة... تحية، ولكل أم تكتب بمداد الأمومة، فصولاً من التضحية بشغف وإيثار لا يهدأ ولا يمل.. ألف انحناءة وتحية.

وكل عام وأنت بخير يا «أمي يا ملاكي .. يا حبي الباقي إلى الأبد» ..

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae