أين ستقضي شيخوختك؟ سؤال أصبح أكثر إلحاحاً من السابق، والتفكير في إجابة عنه، خصوصا في هذه الأيام التي يمر العالم بأزمات عدة، بدءاً من الارتفاع العالمي لسعر الغذاء والسكن وشبح الجوع والكآبة والمرض النفسي الذي قد يفضي بالبعض إلى الموت، وليس انتهاء بحالة اللااستقرار التي تعيشها عدة مجتمعات على الكوكب كنتيجة رئيسية لتلك الأسباب وغيرها، فضلا عن الأزمة الاقتصادية، التي بمجرد تذكرها، تكاد تلمس جراحها العميقة، في كل حدب وصوب.

والسؤال الذي يبدو في ظاهرة طبيعياً وواقعياً، لم يعد مقتصرا على مرحلة عمرية معينة، إذ أن السؤال استطاع (عجن المراحل) العمرية كلها و(خبزها) في رغيف مرحلة واحدة موحدة، ووضعها أمام الجميع؛ فالشاب في الخامسة والعشرين بدأ يسأل، والرجل ابن الأربعين يسأل، أما صاحب الستين فقد تعدى السؤال إلى التنفيذ العملي والفوري، بكل ما أوتي من همة و(تحويشة العمر) والطرق والوسائل التي زودته بها الحياة.

راكنا على جانب شط البحر، الرزانة والقناعة والحكمة والحذر، ليبدأ السباحة بحثاً عن مطرح كريم لبقايا عمر، يريده أن يكون الأهدأ، والألذ، إن أمكن، لامريء قادم من زمن صعب، لا يعترف بحكمة الوجود الطويل للبشر على الأرض، تلك السنّة الطبيعية، التي لولاها لما تتابعت البشرية، وتتالت حضاراتها.

أما وقد أصبحت بعيداً عن حكمة الزهور، فلا مساحة واسعة للتميز بعد اليوم، إذ ليس بإمكانك الآن، سوى البحث عن سياج كرامة، تضربه حول المكان، وحول نفسك، وتفكر فيما مضى من حياتك، وفيما هو آت، باحثاً عن حجر الخلود الذي قد لا يكون حجراً بالمعنى الملموس، بل قيمة منحتها بحب، إلى من تعرف، ولمن لا تعرف، إلى من تركتهم يضجون خلفك بالحياة.

قبل الانزواء وبعده، قبل الانخراط الطوعي في العزلة الوجودية الناضجة، لتطل من مرقبك في النسيان، على ميدان معاركك الطويلة، متفقداً بنظرة كسلى، بقايا العتاد، وأدوات الحرب التي خلفتها، وقد اكتسى بعضها الغبار، و غمر بعضها الآخر التراب. محاولا بذل جهد قليل، جهد بسيط جدا، كي تتذكر أسباب تلك الحروب، والانتصارات المدوية حينها، والتي تبدو لك الآن، كم كانت تافهة، وجبال المجد.

تلك التي وقفت عليها، منتشيا، أكثر من مرة، ضاجا بالسخونة والعرق ورائحة الضحايا، كيف لم تكتشف ساعتها، انما كنت تقف على جبال من هباء، ولا شيء سواه، وكنت تمعن في إصرارك على ما سميته حكمة وقتها: لا الجند عليهم معرفة تفاصيل المعارك وغاياتها، ولا القادة عليهم إبلاغ الجند بتلك التفاصيل والغايات، وذهبت في ذلك إلى تخوم، كنت فيها على علاقة سيئة، بحكمة الماء والصخر. وكم كنت مخطئاً، ومبتذلاً، وكنت قريباً من الحمقى.

أين ستقضي شيخوختك؟..سؤال لا يعتقد أنه خطر على بال أحد، وتركه يمر سريعا، ويذهب إلى حال سبيله، دونما استيقافه بغية تأمله، والاحتفاظ بنسخة منه في أرشيف الذاكرة اليومية، للرجوع إليه بين الحين والآخر، ليلاً ونهاراً، وعند كل خلوة.

على أي حال، هل فكرت أنت؛ أين ستقضي شيخوختك؟ أم أن السؤال مبكر؟

محمد العمري