دق الباحث البيئي المواطن المهندس يوسف عبدالرحمن المرزوقي مدير إدارة البيانات المكانية ببلدية أبوظبى ناقوس الخطر من التغير المناخي الذي يتوقع أن يلحق أضراراً بالغة في العقود القادمة في الدولة.

وجاء ذلك أثناء زيارته للمنطقة الشرقية، وتحديدا - في وادي اعسمة -، في رحلة استكشافية للتكوينات الطبيعية التي قد تفيده في وضع تقارير وبيانات خاصة متعلقة بتأثيرات تغير المناخ، ودراسات تفصيلية وتحليلية أيضاً للأنماط المناخية على كافة الأصعدة فيها. ودعا الباحث البيئي في الوقت ذاته إلى ضرورة سرعة البدء في العمل فوراً في اتخاذ الإجراءات المناسبة ووضع الخطط والتدابير المسبقة من قبل الأفراد والحكومة. إذ لا يوجد حتى لآن عمل فعلي لجعلنا مستعدين لتحديات تغير المناخ في ظل ارتفاع مؤشراته. وفي إطار ذلك حاورته «البيان» أثناء رحلته، وتحدثت معه حول تفاصيل دقيقة في موضوع التغير المناخي وتأثيره في الساحل الشرقي.

المخاطر البيئية

ما المخاطر البيئية التي تواجهنا؟

المخاطر البيئية كثيرة ومتعددة، منها ما هو متصل بالمياه والهواء والتربة، وكلها قد تؤثر في الصحة والسلامة العامة. فمنها ما هو طبيعي، ومنها ما يقوم به الإنسان من أفعال قد تؤدي إلى حدوث خلل، سواء بالبيئة البرية أو البحرية. ما يجعل الجميع يبحث عن الخطط والطاقات البديلة.

ومواجهة التلوث وما ينتج عنه وما يتبعه من آثار سلبية مؤثرة. فالمخاطر البيئية التي تواجهنا كدولة ساحلية ذات ساحل كبير، تتمثل في التلوث البحري والفيضانات، وهما من أكبر المهددات. ما يستدعي البدء بإنتاج خرائط بحرية دقيقة ومحطات مراقبة البيانات البحرية على مستوى الدولة، وهو ما تم البدء به منذ فترة في إمارة دبي.

تجربة رائدة

تجربتك رائدة في رصد الزلازل والتغيرات المناخية، ما تفاصيلها؟

عام 2005 طرحت فكرة إنشاء أول نظام متكامل لرصد الزلازل على مستوى الدولة، حيث وجدت الدعم الكافي من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله».

وتم ربط مخرجات النظام بكل من شرطة دبي وشرطة أبوظبى، وذلك لتوفير البيانات اللحظية على مدار الساعة، وذلك للرد على استفسارات الجمهور إزاء أية هزة أرضية، وأيضاً لتوفير الدعم للجهات الأمنية وأطقم الطوارئ.

ولا أنسى أحد المواقف أثناء حدوث نشاط زلزالي بسيط في منطقة مسافى عام 2008، فكان لتوفر البيانات المسجلة والدقيقة الفضل في توفير الوقت والمال والجهد على فرق الإنقاذ. وفي إطار ذلك تم البدء في إنشاء نظام للإنذار المبكر للتغيرات البيئية في دبي.

أما ما يتعلق بالتغيرات المناخية، فلدى الدولة العديد من محطات الرصد الجوية تغطي كل مناطق الدولة، وتعمل تحت مظلة المركز الوطني للأرصاد الجوية، الذي يوفر بيانات قيمة للباحثين في مجال البيئة.

ما يحتم البدء في برامج للتنبؤ بمخاطر التغيرات المناخية، ووضع البرامج الوقائية للحد من هذه الظاهرة. كما أنه يجب الاهتمام ببرامج مراقبة ورصد البيانات البحرية للتعرف أكثر إلى التغيرات التي تحصل على التيارات البحرية والمكونات البيولوجية لمياه البحر.

فضلاً عن التعرف بصورة دقيقة إلى أسباب تكون ظاهرة المد الأحمر، والفيضانات البحرية التي قد تحصل بسبب زيادة مستوى المد في بعض المواقع في الدولة، الأمر الذي يجعلنا نفكر بألا نكتفي ببرامج المعالجة والإصلاح، فالوقاية خير من العلاج في مثل هذه الحالات.

التغير المناخي

هل هناك إشارات بأننا أصبحنا نعاني من قضية التغيرات المناخية في الوقت الراهن؟ وما هي تحديداً؟

بكل تأكيد، أصبحنا نعاني من تغير المناخ، وبخاصة مع بداية ذوبان الكتل الجليدية في القطب الشمالي، وتأثير ذلك فى ارتفاع مستوى سطح البحر وآثاره الاجتماعية والأخلاقية، وكذلك الاقتصادية والصحية.

وهنا أشير إلى موضوع نشر في أحد الصحف المحلية بتاريخ 15 يناير 2010، يوضح مدى تأثير ذلك في غمر أراضي في الدولة مع مرور الزمن.

وقد سبق أن أعددنا خريطة مخاطر الفيضانات لإمارة دبي، والتي نحن بصدد العمل على تعميمها على كل إمارات الدولة في حال توافر الدعم الكافي من الجهات الحكومية المختصة.

ويتم الآن إنشاء خرائط بحرية ملاحية إلكترونية لتقليل حوادث جنوح السفن، وبالتالي تقلل مخاطر التلوث البحري الذي يفسد البيئة البحرية (النباتية والحيوانية).

فهناك برامج للرصد والمراقبة البحرية، وذلك يتيح لنا دراسة حركة المياه الرأسية والأفقية، ومن ثم حركة الملوثات البحرية والتنبؤ بذلك من دراسة «النمذجة» وربطه بمنظومة الإنذار المبكر. وما نأمله كجهات بحثية في هذا الوقت البدء الفوري بتعميم هذه التجارب على مستوى الدولة.

الأكثر تأثراً

لماذا يعتبر الساحل الشرقي الأكثر تأثراً بأحداث التغير المناخي بصورة ملحوظة؟

سيكون التأثير في المناطق الشرقية بالإمارات حسب طبيعة الساحل (بين الهضبة وقليل من الميلان) والموقع الجغرافي على المحيط (خليج عمان).

كما أن المنطقة تعتبر ذات طبيعة جيولوجية فريدة، وتحتاج إلى اهتمام دقيق ودراسة مفصلة، نظراً لموقعها الجغرافي، حيث إنها مطلة على مئات الكيلومترات من مياه المحيط ذي الطبيعة المتغيرة من حيث اتجاه التيارات البحرية وتغيرات المد والجزر.

وفي ضوء ذلك انطلقت في بادرة شخصية لوضع تصور بسيط وجدي للبدء في رسم صورة لدراسة متعلقة بمدى التغيرات المناخية وأنماطها في الساحل الشرقي وتأثيراتها على المدى القريب والبعيد.

أرقام وإحصاءات

أثناء زيارتك للساحل الشرقي، وتحديداً الفجيرة، ما معلوماتكم عن الوضع البيئي هنا؟ وهل لديكم أرقام وإحصاءات؟

لدي اهتمام كبير بهذه المنطقة نظراً لموقعها الجغرافي المطل على المحيط، وتنوع البيانات البيئية فيها.

وكباحث مهتم فإن التعرف إلى هذه المنطقة يعتبر تحدياً كبيراً أسعى إليه بصفة شخصية، وهو مفيد عند وضع برامج مماثلة في أماكن أخرى في الدولة متعلقة بطبيعة عملي.

وكما ذكرت طبيعة التيارات البحرية والمكونات البيولوجية للمياه تثير اهتمام أي باحث في هذا المجال، ونظراً للإمكانات البسيطة التي تشمل مراقبة تآكل الشواطئ وارتفاع مستوى المياه في بعض المناطق.

بالإضافة إلى أجهزة مصغرة لقياس مكونات المياه وكمية التلوث، فإن البيانات المتوافرة لدي لا تتعدى دراسات قامت بها جهات حكومية مختلفة أسعى إلى تطويرها، إضافة إلى إعدادي لبحوث علمية يمكن الاستفادة منها عند البدء في برامج مراقبة تفصيلية للمنطقة. وأتمنى أن يكون لدي أرقام وإحصاءات دقيقة في المستقبل القريب.

اقتراحات

ما اقتراحاتك للتعامل مع قضية التغيرات المناخية؟

اقتراحي أن نتسلح لذلك بكل ما هو متاح من المعرفة والتقنيات الحديثة. كما يجب على الجهات الحكومية البدء في برامج رصد مراقبة جميع البيانات البيئية، وإعداد قواعد بيانات لها مزودة ببرامج تقنية لإعداد النمذجة الرقمية، لأن مفهوم التغير المناخي يحتاج إلى تعريف للاستفادة منه في إعداد دراسات تفصيلية عن مخاطره، ووضع الخطط الوطنية الوقائية لجميع هذه الظواهر.

الوعي والمجتمع

كيف ترى الوعي البيئي لدى المجتمع في الإمارات عموماً؟

المجتمع الاماراتي بفطرته شعب لديه وعي بيئي مقدر، فهو إنسان بيئته. أما على نطاق الدولة الرسمي فهناك اهتمام واضح بالبيئة، فقد خصصت القيادة الرشيدة يوماً للبيئة، حيث تتم مراجعة الخطط والمبادرات التي نفذت من أجل الحفاظ على الصحة والسلامة العامة.

والدوائر الحكومية على مستوى الدولة تولي هذا الموضوع أهمية قصوى عبر التعريف بالثقافة البيئية. كما أن الدولة تستضيف العديد من المؤتمرات الدولية كمؤتمر الطاقة البديلة وغيره.

أبحاث ودراسات

هل لديكم أبحاث ودراسات خاصة عن الوضع البيئي في الإمارات حتى20 سنة من الآن؟ وكيف قد تؤثر في الحد من المشاكل المترتبة عليها؟

مشروع نظام الرصد والمراقبة البحرية قد يوفر لنا بيانات قيّمة كنا نفتقدها فى الماضى، وهذا سوف يساعد في البحوث والدراسات المستقبلية. ونحن بصدد دراسة التغيير البيئي طويل المدى نتيجة التدخل البشرى والاستثمار البحري، ومن ثم البدء في برنامج بحثي مصاحب لذلك بعد توافر البيانات وإشراك كل الجامعات والكليات المتخصصة.

دور الإعلام

من وجهة نظرك، هل هناك اهتمام من قبل الإعلام على مختلف وسائله بالبيئة ومخاطرها التي تمس حياة الإنسان اليومية؟

الاهتمام بالبيئة إعلامياً ليس كافياً، فيجب تقديم برامج متخصصة من إعداد متخصصين بالبيئة، تتناول مادة البيئة كموضوع الساعة، ومدى تأثيرها سلباً وإيجاباً في حياة الفرد والمجتمع. وآمل أن يكون هناك اهتمام أكبر من وسائل الإعلام بهذه المادة.

حوار- ناهد مبارك