كثيراً ما تحدث مسؤولو وزارة التربية والتعليم، حول أهمية تطوير الهيكل الوظيفي للمدارس، وتغذيته بعناصر تتناسب مع التغيرات الحادثة، والتطورات التي يشهدها هذا القطاع على مستوى الدولة، ولا يزال الميدان التربوي في انتظار أي خطوات تتخذ في هذا الشأن، خاصة مع زيادة الأعباء ومتطلبات عمليات التطوير التي تلقى على عاتق الإدارات المدرسية والعاملين بها من هيئات إدارية وتدريسية، وفي الوقت الذي يطالب فيه الميدان.

بدعم المدارس بكوادر إدارية وفنية لإتاحة المجال لكل فرد بالقيام بمهامه الأساسية بما يخدم العملية التعليمية، تؤكد وزارة التربية أن بعض تلك المطالب تعبر عن حاجة حقيقية وتوفيرها يقع ضمن أولويات الوزارة، في حين أن كوادر أخرى تطالب بها المدارس تعتبر غير منطقية كالمطالبة بتوفير «محاسبين» متخصصين في الشؤون المالية. على اعتبار أن الهيكل الإداري للمدارس كاف - من وجهة نظر الوزارة- والأولوية لتوفير الكوادر الفنية. وفي اطار جولة «البيان» الميدانية والاستماع لرؤية إدارات المناطق والمدارس على مستوى الدولة حول حاجاتهم من الكوادر لدعم أدائهم التربوي والتعليمي.

أشارت الآراء إلى وجود أبعاد أخرى تزيد من هموم الميدان وثقل الأعباء الملقاة عليه تعود تلك الأبعاد إلى المشكلة الأزلية التي يشكو منها العاملون في هذا القطاع المهم تتعلق بإحساسهم بأنهم الأقل حظا بين نظرائهم من العاملين في القطاعات الأخرى بالدولة من حيث أوضاعهم المالية والإدارية فيما يتعلق بالرواتب وغياب الترقيات والحوافز، على الرغم من طبيعة المهنة ورسالتها المجتمعية، وهو الجانب الذي لم تجب الوزارة عن الاستفسارات حوله.

رغم طرحه عليها على مدى شهرين، مع العلم أنها شكلت لجنة لبحث هذا الجانب قبل بداية العام الدراسي الحالي، ولم يتم الاعلان عن أي خطوة في هذا الاطار حتى الآن.

عودة الإشراف

موزة ناصر مديرة مدرسة سودة بنت زمعة الثانوية للبنات بعجمان، طالبت برفد إدارات المدارس بالكوادر الادارية والفنية اللازمة لتحقيق تطلعات الوزارة، والتعاطي مع المستجدات، وأضافت أن كل مدرسة تحتاج على الأقل إلى مساعدين اثنين للمدير، يختص أحدهما بشؤون المعلمين والآخر بشؤون الطلاب.

فمدير المدرسة أصبح الآن نظرا لتطور العملية التعليمية، بمثابة القائد والمدرب، وعليه مهام كبيرة تتعلق بإعداد الأجيال، بما في ذلك الرعاية الشاملة للطلاب المتفوقين والمبدعين، وكذلك احتواء المقصرين منهم، وتقديم البرامج لمن يحتاج إلى تربية خاصة، وهي مهام تتطلب الكثير من الوقت والجهد والتفرغ.

كما طالبت موزة ناصر بعودة وظيفة الاشراف، التي ألغيت قبل أكثر من عشر سنوات، موضحة أن كل مشرفة كانت مسؤولة عن متابعة أربعة وخمسة فصول، من حيث الحضور والغياب، وتعمل على حل مشكلاتهن اليومية، وهو ما كان يرفع عن الادارة عبئا كبيرا.

رغم أن المهام قبل عشر سنوات لم تكن كما هي الآن، وأضافت أن المدارس تفتقر إلى العدد الكافي من الأخصائيين الاجتماعيين، وليس هناك تواجد عملي للارشاد النفسي والأكاديمي، فالمرشد يأتي إلى المدرسة مرة واحدة كل أسبوعين، مما يلغي أي فائدة حقيقية لعمله، وأشارت إلى أملها الكبير بسد هذه الاحتياجات قريبا، بناء على وعد الوزير خلال لقائه مديري المدارس مؤخراً.

من جهة أخرى أكدت مديرة مدرسة سودة بنت زمعة، أن انجاز المهام الاضافية التي ألقيت على عاتق ادارات المدارس، رغم كثرتها، ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت وهو بالتأكيد مرهق جداً، ولكن غير المقبول هو الوضع الحالي للعاملين في القطاع التعليمي.

والمطلوب هو اعادة الهيبة لمديري المدارس، والاداريين والمعلمين داخل المجتمع، وعلى الصعيدين الاداري والمالي، فلا يمكن لأحد أن ينكر تدني نظرة المجتمع إلى العاملين في هذا القطاع، رغم أنه الأهم في خدمة الوطن.

باعتباره المصنع الذي يقدم للوطن الوزير والطبيب والمهندس وغيرهم، ويقدم العاملون فيه عمرهم وعصارة فكرهم وجهدهم في خدمة المجتمع، خلال أيام عمل يبدأ كل منها منذ لحظة الاستيقاظ صباحاً، متضمناً الدوام العادي، مضافاٍ إليه التحضير وعمل الوسائل التعليمية، والبحث عبر الشبكة العنكبوتية عن كل معلومة جديدة تتعلق بموضوع الدرس.

اضافة إلى الدورات التدريبية ومتطلبات تطوير الذات، ولا ينتهي يوم العمل إلا بالخلود إلى النوم ليلا، بينما ينتهي عمل معظم موظفي القطاعات الأخرى بمجرد تركهم لمكاتبهم، وفي المقابل لا يوجد أي تقدير اجتماعي، أو حتى على المستويين المالي والاداري.

وطالبت ناصر الوزارة بتعديل أوضاع العاملين في القطاع التعليمي، وليكن ذلك في اطار محاربة الدروس الخصوصية، فليس من المنطق معاقبة المدرس على اعطاء الدروس الخصوصية دون أن نوفر له البديل، ومطالبته بأن يعطي طلابه بإخلاص، دون أن نرفع عنه هموم متطلبات الحياة.

المهام المطلوبة

محمد جمعة آل سالم، مدير مدرسة البريرات للتعليم الأساسي ـ الحلقة الثانية، طالب أيضاً بأكثر من مساعد لمدير المدرسة، بحيث يخصص أحدهم للشؤون الادارية والمالية، وآخر لشؤون العاملين، ويكون هناك ثالث متخصص بشؤون الطلاب، وأوضح أن الهيكل الاداري الحالي والمكون من مدير ومساعد وأمين سر، لا يمكن أن ينجز المهام المطلوبة بكفاءة.

وخاصة مع ازدياد أعداد الطلاب، التي لا تقل عن 400 طالب ، ويمكن أن تزيد على 800 طالب في المدرسة الواحدة، مشيراً إلى أن الشؤون المالية تحتاج إلى موظف مختص، فهذا تخصص قائم بحد ذاته، ومديرو المدارس ليس لديهم فكرة عن كيفية عمل الميزانيات وتوزيع المصاريف وغيرها من أعمال المحاسبة.

وهم أيضاً بشر طاقتهم محدودة، وعليهم كثير من الواجبات الفنية من متابعة للطلاب والمعلمين، وهناك أيضا الخطط التعليمية، ومشاكل الطلاب في هذه المرحلة العمرية الحساسة.

مهام كثيرة

وأضاف آل سالم أن هذه المهام الكثيرة والمطالب التي تزداد كل يوم على مديري المدارس والعاملين معهم من معلمين واداريين، يقابلها عدم وجود أي تقدير مالي أو معنوي.

فالوزارة قدمت لنا الكثير من الوعود بتحسين أوضاعنا الادارية والمالية، التي تعتبر الأقل بين موظفي مؤسسات الدولة، إلا أن هذه الوعود لا تتحقق أبدا، والزيادات الوحيدة التي تأتينا هي في المهام والمسؤوليات، على سبيل المثال أنا أعمل في الوزارة منذ28 عاما، ولا أزال على الدرجة الثانية، أبنائي ومعظم الطلاب الذين خرجتهم أصبحوا أعلى مني راتبا ودرجة.

فعلى المسؤولين أن يفكروا بتحسين أوضاع العاملين في قطاع التعليم، كجزء من تحسين العملية التعليمية بشكل عام، وعلى من يفكر بكيفية الحد من الدروس الخصوصية، أن يعمل بداية على اكتفاء المدرس مالياً.

وهنا لابد أن أشير إلى معاناة زملائنا من الوافدين، الذين يرزحون تحت عبء إضافي وهو السكن، فكيف لمدرس أن يفرغ عقله لعمله وواجبه نحو طلابه، وهو يحمل هم تأمين إيجار السكن، بالإضافة إلى توفير احتياجات أسرته من مصاريف يومية.

الواقع الجديد

وأكد مديرو المناطق الذين التقتهم «البيان» وجود نقص في كوادر هيكل المدارس الوظيفي، نتيجة لتوسع مهام هذه الادارات، حيث تحدثت فوزية غريب مديرة منطقة الشارقة التعليمية، عن الحاجة لإعادة صياغته بما يتوافق مع المستجدات في طبيعة عمل إدارات المدارس.

فإلقاء عبء الميزانية والصيانة وبدء العمل بمشروع القيد والقبول، يفرض دراسة هذا الواقع الجديد، وتنظيم الهيكل بما يضمن عدم غرق مدير المدرسة في الأعمال الادارية، وقدرته على القيام بمهمته الأساسية، وهي الإشراف على العملية التعليمية بجانبيها الفني والتربوي.

وأضافت غريب أن الهياكل الجديدة يجب أن تصاغ وفق دراسة تبحث في الاحتياجات الواقعية للمدارس، أي أن التغيير المطلوب، يجب أن يرتكز على دراسة ميدانية تشمل جميع الجوانب الادارية والفنية.

أعباء المرحلة الثانوية

مريم السعدي مديرة مدرسة جلفار الثانوية للبنات في رأس الخيمة، أوضحت أن الإجراءات الخاصة بطالبات الثانوية العامة، من ادخال أسماء ودرجات إلى موقع الوزارة الالكتروني، تمثل عبئا إضافيا كبيرا على إدارات هذه المدارس، لما تتطلبه من دقة ووقت كبيرين.

وأكدت أنها اضطرت إلى جلب موظفة على حسابها الخاص للقيام بهذه المهمة، بالإضافة إلى تكليف معلمة المعلوماتية بجزء من المهمة، وتكليف معلمة كل صف بالقيام بتقديم سجل لطالباتها، وهو أمر غير مقبول.

الوزارة تبدي تفهمها لبعض المطالب

بعد عرض الآراء والمطالب السابقة على المدير العام بالإنابة في وزارة التربية، علي ميحد السويدي، أكد تفهم الوزارة لبعضها، وقال ان الوزارة تعمل بالفعل على استقطاب الخبراء والآليات الحديثة لتطوير العمل في المجال التعليمي من حيث المناهج والكوادر وأساليب التدريس، وكذلك دراسة استحداث الهيكل الوظيفي ودعم الكوادر الفنية من أخصائيين وأمناء مكتبات وأمناء مخابر، وهي احتياجات تؤكدها الوزارة، وتعتبرها من أولوياتها.

وقد قامت بالفعل مع بداية العام الحالي بتعيين عدد كبير من هذه التخصصات في مدارس الدولة المختلفة، وهناك إحصائيات تجري عدة مرات سنويا لدراسة النقص في كوادر المدارس، للعمل على سد الشواغر بناء على المسح الميداني وليس التقارير الورقية.

أما الجانب الإداري في الهيكل الوظيفي للمدارس فقد اعتبره السويدي مناسباً لحجم العمل المطلوب، مؤكداً أن المستجدات في عمل المدارس لا تستدعي أي تعديل أو زيادة في كوادر الإداريين، وأوضح أن كل مدرسة فيها مدير المدرسة ومساعد مدير أو اثنان، بالإضافة إلى أمين السر، وهو عدد كاف جداً للقيام بالمهام الادارية في أي مدرسة.

ورغم أن هناك اجراءات القيد والقبول والنقل، وهي بلا شك تمثل ضغطا على كادر المدرسة، إلا أنه ضغط موسمي، لا يستمر سوى أسبوعين من بداية كل فصل دراسي، بينما تنحصر المهام الادارية باقي أيام السنة على رسالة أو رسالتين يوميا، فكيف يمكن تعيين موظف للعمل أربعة أسابيع فقط.

تحقيق - إيمان كلش