تمنيت دائماً أن أظل تلك الطفلة الصغيرة العاشقة للبراءة والوضوح والنقاء، كانت طفولتي جميلة، وأيامها كانت خالية من الهموم، كنت فيها أرى جميع من حولي ملائكة عطوفة، وأرى الحب في كل التفاتة، كنت أرى الحياة بألوانها الزاهية. ومرت الأيام سريعاً وواجهت مشكلتي الأولى؛ لقد بدأت أكبر، وبدأت أحلام الطفولة تبعد، رفضت وقاومت، وحاولت بشدة أن أتمسك بطفولتي، وأن أحتفظ ببراءتي، ولكني علي كل حال كبرت بلا حيلة ورغماً عني.

ابتعدت عني الألوان الزاهية شيئاً فشيئاً حتى تلاشت، وبقيت مع الظلام أرى الحياة بمن نصب ملك الألوان، وفي أفضل الأحوال يتغير حين يتنحى للرمادي. بدأت أرى أشياء لم أرها بعيني تلك الطفلة الصغيرة، تحولت الملائكة إلى شياطين، وغدر بي الأصدقاء، وأخذت الحياة تكشر عن أنيابها وتعلن لي عن قسوتها، وتحذرني أن أستعد فهي لما تبدأ بعد.

وكلما اعتقدت بأني فهمتها أكتشف أنها أكثر تعقيداً. أصابني الخوف، بل الفزع من انتقالي المفاجئ لهذا العالم الجديد الذي لا تجد فيه من يرحمك، فيجب أن تأخذ حذرك دائماً لأن الضربة التالية قد تكون من أقرب الأشخاص، وفي عالم الكبار الحياة للأقوى. بدأت أستوعب فكرة هذا العالم، ولعلي جاريتها وحاولت التعايش ضمنها، ولكنني أبداً لم أستطع أن أعترف بها كحياة.

وظللت أشتاق إلى طفولتي وأحن إليها، مرحلة لم تغب عن بالي يوماً. يسألني الكثيرون لماذا لاتزالين تشاهدين الرسوم المتحركة.. إنها للأطفال؟ فأجيب: لا أشاهدها فقط، بل أحبها وأستمتع بها أكثر من استمتاع أطفال اليوم بها.

فهي تذكرتي الوحيدة للعبور لعالم الطفولة الجميل، مخبأي الصغير الذي ألجأ إليه كلما اختنقت من تلوث دنيا الكبار، مخبأ يعتبرونه سخفاً لأنهم نسوا طفولتهم، وأعتبره مكمناً لحياة لم أنسها، وربما لم أغادرها يوماً.

كثيراً ما أحتج، لماذا يجب أن أغادر عالمي الصغير الآمن إلى عالم لا أكاد أتحمله؟ أنا لا أريد، هكذا أرفض بعناد الطفلة القابعة بداخلي، لا أريد إبدال الأمان والحب والصدق بالخوف والكره والكذب، لا أريد أن أقوم بدور الممثل البارع الذي يتقمص جميع الشخصيات لينجو بأفعاله، أريد أن أكون كما أنا واضحة وصادقة مع الجميع، لن أتخلى عن طفولتي فهي جزء من روحي، ما يزال لا أرى في روحي النضوج وإن كانت نفسي تمتلك عقلاً ناضجاً، أما قلبي فما زال ينبض بحب وحنين لمرحلة الأمس وأيام الطفولة.

رقية أمين