جمعتهما خيمة مهترئة تحيط بها الأسلاك الشائكة من كل اتجاه، وجندي محتل يعتلي برجاَ محصناً، يمسك بسلاح لا تبتعد فوهته عن رؤوس المحتجزين؛ هناك في فلسطين.. ناصر كان يدرس في كلية جامعية بمدينة رام الله، وعبدالله يدرس في جامعة بيرزيت في المدينة نفسها، وفي خضم الأحداث العصيبة، لا سيما حصار الرئيس ومعركتي جنين ونابلس في العام 2002، كانت الصداقة قدرهما في ذلك المكان.. في السجن.

تشارك ناصر وعبدالله في تعداد أحلك الساعات من خلف أسوار السجن، فكلاهما على وشك التخرج من الجامعة، فيما واقعهما لا ينذر بشيء. أمضى عبدالله فترة أسبوعين في الأسر وأفرج عنه، أما ناصر فقد حكم عليه بالسجن ستة شهور من دون تهمة سوى أنه فلسطيني.

عاد عبدالله إلى دراسته الجامعية، وقلبه معلق بمصير صديق اقتسم وإياه رغيف الخبز وقطعة تفاح داخل خيمة الاعتقال لأيام، وبعد شهور تخرج من الجامعة واختار التوجه إلى الإمارات بحثاً عن باب للرزق الذي لم يجده حينها في بلده فلسطين بسب ظروف الاحتلال وما يفرضه على السكان.

في الإمارات، وفي دبي تحديداً وبعد أكثر من خمسة أعوام فوجئ عبدالله باتصال غير متوقع.. «كيف حالك» «أنا بخير، من أنت»؟ «أتذكر صديقاً تعرفت إليه في السجن.. أنا ناصر»!

مفاجأة لم تكن في الحسبان، عبدالله وناصر ينتصران على ضيق السجن والسجان، ويستعيدان أمل الحياة في دبي. من جديد يلتقيان، حيث وجد ناصر فرصة العمل مدرساً للغة العربية في مدرسة خاصة، وعبدالله يعمل في شركة أخرى في دبي، وكلاهما لم يكمل الثلاثين عاماً من العمر.

مضت شهور على استعادة ناصر وعبدالله ذكريات صداقة ترعرعت في عتمة السجن، ورغم البعد ظل ناصر يكن في نفسه وطنيةً لم يغفلها بحكم الفطرة التي نشأ عليها، فهو كغيره من أبناء فلسطين مرشح للاعتقال أو الشهادة أو أي جرم احتلالي آخر في كل حين.

في إجازته.. ناصر سافر إلى فلسطين، تزوج وعاد إلى الإمارات، ومؤخرا أصبح أباً لطفلة، واستمر ناصر محافظاً على أداء واجبه الديني والعائلي والاجتماعي بامتياز، لأنه هكذا نشأ وتربى.

في تلك الأثناء ارتقى ناصر بوظيفة أفضل من حيث المردود المادي، وظل ينفق على بيتين، واحد في الإمارات، وآخر في بلده فلسطين وهو «بيت العائلة»، وداوم ناصر على هذا المنوال عن طيب نفس وقناعة.

صباح أحد الأيام وبينما هو ذاهب إلى عمله في دبي عبر شارع الإمارات، انحرفت السيارة التي يقودها عند إحدى الإشارات الضوئية واصطدمت بالرصيف ثم تدهورت، وطار الخبر منتشرا كالنار في الهشيم «ناصر في المستشفى.. في غرفة الإنعاش».. هرع الجميع إلى حيث هو موجود ولم يتبقَ صديق أو قريب إلا وعاش ساعات ذهول لا تنسى، أما صديقه عبدالله فقد أمسى أحد أشد المفجوعين بالخبر.

للأسف توفي ناصر وهو في ريعان شبابه. إرادة الله نقلت ناصر من بلد الموت والشهادة إلى بلد الأمن والسلام، فباغته الموت حيث هو يقيم. اختمرت قلوب عائلته في فلسطين بالحزن والأسى، ومن هناك انتفض إصرار عائلي لنقل جثمانه من دبي إلى جنين، فسافر جثمان ناصر في رحلة مشقة عبر المعابر الإسرائيلية إلى حيث مسقط رأسه.

وهناك اصطف سكان البلدة لاستقبال «الشهيد» العائد من غربته إلى القبر، والموقف لا يضيق يوماً على ذكريات بللتها دموع الألم والحسرة هنا في ذاكرة صديق السجن عبدالله، وهناك في أفق العائلة المفجوعة في ولدها الشاب والمكافح.. إنها إرادة الحق ولا عجب.

دبي - عنان كتانة