محمد الغفلي طالب جامعي ضرير تفوق على المبصرين بجدارة، وأثبت لهم أن من يفقد نعمة البصر لم ولن يخسر الحياة، تحدى نفسه ومن ينظرون إليه بشفقة، وبرع في تخصص الصحافة المطبوعة، وأصبح أول ممثل ضرير يقف على خشبة المسرح.. شاء القدر أن يفقد بصره في السادسة من عمره، وأن يكمل مشوار حياته في نور لا يعرف العتمة والظلام، مؤكدا أن الضرير ليس من لا يبصر بل الذي يبصر ولا يعرف كيف يبني مستقبله بجهد ومثابرة.
طالب جامعيوقال الغفلي: أرى الدنيا من خلال سمعي، ولا أتمنى أن أبصر في يوم من الأيام، لأنني أمتلك كل شيء، بل وفعلت ما عجز عن فعله الآخرون، فأنا والحمد لله طالب جامعي في السنة الأخيرة في قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة في مسار الصحافة المطبوعة، أدرس مثل أي طالب عادي، وليست لي معاملة خاصة من قبل الدكاتره، إلا فيما يتعلق بالمواد التي تتطلب ممارسة عملية.حيث يحولونها لي إلى مواد نظرية أجري عليها البحوث والدراسات، كما لدي حاسوبي الخاص المزود ببرنامج ناطق يسهل علي عملية الكتابة والدخول إلى المواقع المتنوعة والدردشة مع أصدقائي عبر «الشات».
وعن معاملة الطلاب له في الجامعة قال الغفلي: لم يعد الضرير إنسانا عاجزا لا يستطيع فعل شيء في نظر الطلاب، وقد تغيرت هذه النظرة كثيرا وأصبحت إيجابية جدا، حيث يعدونني واحدا منهم ومنافسا حقيقيا لهم.
صحفي متمرس
ويقول محمد عن اختياره لتخصص الصحافة المطبوعة: اخترت الصحافة لأنها المهنة الأقرب إلى هموم المجتمع، حيث يمكنني التعبير عن قضايا الآخرين، ومناقشة مشكلاتهم ومساعدتهم في إيجاد الحلول المناسبة، والحمد لله بدأت ممارسة مهنتي عن طريق صحيفة الجامعة التي أطرح فيها تحقيقاتي الموسعة.
ومقالاتي التي تثير نوعا من الجدل بين طلاب الجامعة، وأعتمد على علاقتي الشخصية في إعداد حواراتي وتحقيقاتي الصحفية، كما أدير مدونة على شبكة الانترنت أطرح فيها آرائي الخاصة من خلال مقالاتي الجريئة التي لا مجال فيها للمجاملة. ويستعين الغفلي بأصدقائه المقربين الذين يساعدونه من دون تذمر أو ضجر كما يشجعونه على الاعتماد على نفسه في ممارسة نشاطاته اليومية.
أفضل ممثل
ونال الغفلي جائزة أفضل ممثل إعاقة بصرية في قطر في إطار مهرجان الخليج الأول لذوي الاحتياجات الخاصة عن دوره الرائع في مسرحية «للحياة مذاق آخر» التي كانت من تأليف الممثل والكاتب الإماراتي عبدالله صالح، وإخراج الممثل والمخرج محمد العامري، الذي قال عنه الغفلي:
أكن للمخرج والممثل محمد العامري احتراما وحبا كبيرين لأنه وقف إلى جانبي كثيرا، وعن جائزة أفضل ممثل إعاقة بصرية فهي جائزة أعتز بها لأنني نلتها عن دوري في مسرحية «للحياة مذاق آخر» وهي مسرحية اجتماعية كوميدية، جسدت فيها دور الشيخ الضرير الذي يعيد الحياة لعائلة كانت على وشك التفكك والتشتت، في إطار حبكة فنية رائعة بالفعل.
وقد حصدت المسرحية إعجابا جماهيريا كبيرا في قطر وكان لمحمد الغفلي فيها بصمة لا تنسى، حيث شكك الجمهور في كونه مبصرا لأن حركته على المسرح كانت دقيقة وكأنه يرى، إلى أن وقع عن المسرح وكسرت قدمه وحينها زال شك الجمهور وتأكدوا أنه ضرير، ما زاد من حماستهم وتصفيقهم له.
وعن الشخصية التي يتمنى الغفلي تجسيدها قال: أتمنى أن أجسد شخصية «مبارك بن لندن»، ذلك المؤرخ البريطاني الذي عاش في الإمارات قديما وانصهر مع البدو وكان واحد منهم، في أحد المسرحيات أو المسلسلات الرمضانية.
وعن التجارب المسرحية التي لا ينساها قال الغفلي: مسرحية «القراصنة قادمون»، للكاتب عمر الكعبي، والمخراج باسم داوود، مسرحية لا تمت للمعاقين بصلة وتناقش مسألة الأرض والحفاظ عليها، وقد شعرت فيها بحرية كبيرة لأن النص لم يكن مكتوبا لشخص معاق، بل لشخص سليم، ولم أواجه أية صعوبات تذكر.
وأكد الغفلي على أهمية دمج المكفوفين الموهوبين في المجالات العملية التي تنمي مواهبهم وقال: أريد أن أبدأ مسيرتي الفنية بعمل تلفزيوني إلى جانب الممثلين الكبار مثل سميرة أحمد، وسعاد العبدالله، وصفية العمري، والفنان صلاح الملا، الذين قابلتهم في قطر، وكم أنا متحمس لتلك الفرصة لأنني والحمد لله أثبت نفسي على المسرح أمام رهبة الجمهور حيث لا مكان للخطأ.
لا يهتم بتخيل الأشخاص بل بتصرفاتهم
محمد الغفلي لا يحب تخيل الأشخاص أو حتى رسم ملامحهم وقال: أهتم بطريقة معاملة الأشخاص لي ولا أشغل نفسي بتخيل أشكال الآخرين، كما أنني أتبع إحساسي في كل شيء في حياتي وأكتب الشعر الغزلي بناء على الأفكار التي تخطر على بالي، ووصف الشعراء للجمال في قصائدهم.
وقد أنشد لي المنشد علي النقبي قصيدة بعنوان «يا وطن»، أما المنشد حميد العوضي فقد أنشد عدة قصائد لي منها قصائد وطنية، وأخرى تتحدث عن الأعياد، والأعراس، والسلامة المرورية.
ويهتم محمد بمتابعة البرامج الحوارية، كما يمارس ألعاب القوى والرياضة مع زملائه في جمعية الإمارات لرعاية المكفوفين في الشارقة وقال: جمعية المكفوفين بيتي الثاني الذي ألتقي فيه بإخواني المكفوفين حيث نتسلى، وندخل في نقاشات عديدة. وقال الغفلي عن فكرة الزواج:
أتمنى أن يرزقني الله زوجة صالحة مثقفة، وواعية تقدر طاقاتي، وتحترمني ولا تشفق علي لأنني شخص معاق. وعن مشاريعه المستقبلية قال الغفلي: سأكمل الماجستير في العلوم السياسية، والدكتوراه في الصحافة إن شاء الله، ولكنني أسأل نفسي دائما «ترى هل ستقبل المؤسسات الإعلامية توظيفي؟».
ريما عبد الفتاح

