الإنسان الذي يحرص على العلم والمعرفة، يدرك أنه يسلك سلوكاً يؤدي به إلى الرفعة والتقدم، وخاصة عندما يعمل بمقتضى ما تعلمه، ويتقي الله في كل خطواته طمعاً في نيل رضى الله تعالى لما منّ به من تزكية للنفس وإصلاح القلب.

قال تعالى: (لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).

التنوير يعني الإنارة، وهو أيضاً الإسفار، أي الظهور والوضوح، وهو أيضاً الإزهار، أي إزهار الشجرة. يقال: نوّرت الشجرة تنويراً وأنارت، أي أخرجت نورها. ولا شك أن التنوير أو العلم إنما هو غاية سامية يسعى إليها كل إنسان، حيث تبصير القلوب وتهذيب النفوس وتنبيه الوجدان.

والناس في كل مكان في حاجة إلى التنوير وإلى المعرفة كي يزودوا العقل بالمفاهيم الصحيحة.

روى الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه». قيل:

بالعلم والعقل لا بالمال والذهب .. يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب

وقيل إن العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك، وإن العقل للإنسان مثل التاج للملك.

فالإنسان الفاهم المتنوّر ينفعه علمه وفهمه في التعامل مع الآخرين في أي مجتمع يوجد فيه، سواء في البيت أو في المدرسة أو في السوق أو في الشارع، تراه لا يصدر منه العيب، وإذا صدر منه اعتذر وظهر منه اللطف واحترام مشاعر الآخرين، وصبره على جهل من يخاطبونه، فلا يعلو صوته عليهم، ولا يسفِّه آراءهم، بل هو الذي يبسط لهم الأمور ويرشدهم إلى ما فيه الخير بتواضع شديد.

العلم أو التنوير هو التطور السامي للمعارف العامة، ولا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا بعد أن يتعلّم كيف يفكر. والشيء المهم في عملية التنوير من يقومون بها والأساليب التي يتبعونها في عملهم، وأن يكون الإخلاص ديدنهم في هذه العملية، وأن يكون الاحتكام في أي قضية إلى نصوص القرآن والسنة ما كان عليه السلف الصالح مع ضرورة استخدام الحكمة واللين في التوجيه.

فالإنسان في حاجة إلى التنوير الذي يحفظ البيوت من الانهيار لأتفه الأسباب. فالزوج الفاهم الواعي، والزوجة الواعية عماد البنيان الأسري، إذا ما صدر ما يعكر صفو حياتهما عليهما أن يحتكما إلى العقل وإلى المعرفة التي تغلب المصلحة على الأنانية الفردية وضياع الأولاد. وقال تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون)[النحل: 72].

المجتمع الإنساني في حاجة إلى التنوير الذي يصون النفس من جنوحها إلى اتباع الشهوات والاندفاع نحو الملذات، وأن صيانتها تكمن في اتباع ما جاء في القرآن وفي الأحاديث النبوية الشريفة لتهذيبها وهدايتها.

قال تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).

قال معاذ بن جبل رضي الله عنه «تعلموا العلم فإن تعمله حسنة وطلبه عبادة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار سبيل أهل الجنة والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة والمتحدث في الخلوة، والسلاح في الأعداء، يبلغ بالعبد منازل الأخيار والدرجات العلا في الدنيا والآخرة).

وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إنك لن تكون عالماً حتى تكون متعلماً، ولن تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً».

نحن في حاجة إلى التنوير الذي يحيي القلوب ويكون نوراً لصاحبه يفرق به بين الحق والباطل.

وقال ابن عبد ربه:

العلم يحيي قلوب الميتين كما

تحيا البلاد إذا ما مسها المطر

والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه

كما يُجَلّي سواد الظلمة القمر

حامد واكد