قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى: (الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون).
والكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد فهي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت في قلب المؤمن الموحد وفرعها في السماء وهو خشية الله ومحبته، تؤتي أكلها كل حين من أعمال صالحة وأخلاق قويمة وسكينة وطمأنينة ومحبة لله ورسوله، وهي صبغة الله التي لا صبغة أحسن منها.
فمن عرف حقيقة الإلهية وحقوقها واستقرت معرفتها في قلبه ثم ترجمها لسانه أثمر ذلك عنده عملا صالحا فرديا وجماعيا وبهذا يتم التعاون على البر والتقوى في المجتمع الموحد.
حيث تتوارى الأنانيات وراء أعمال صالحة مخلصة يرفعها الحق سبحانه وتعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وان من شأن التوحيد أن يورث المؤمن فرحة بربه ذي الكمالات التي لا تحد تغمر قلبه وتنعكس على جوارحه فتستقر وتخشع في طمأنينة لا يقدر قدرها الأمن ذاقها.
وان المرء ليرثي لحال من لم يعرف ربه حق المعرفة ويستقر توحيده في قلبه كيف يقابل مكابدات الحياة ومجاهداتها ومشاقها ومصاعبها وهو منفرد اعزل يعتمد على المخلوقين الضعفاء الذين لا يملكون له ولا لهم أنفسهم شيئا، فان من أعظم آثار التوحيد الأنس بالله.
وهي نعمة كبيرة لا يقدرها إلا من الله عليهم بها يقول ابن القيم متحدثا عن هذه الشجرة الطيبة: فأما عروقها فهي العلم والمعرفة واليقين والمعرفة هنا معرفة شاملة لأسماء وصفات الله عز وجل ولأفعاله وتصريفه للأقدار وهي معرفة عقلية وذوقية تنجم عن أعمال التقرب إلى الحق سبحانه وتعالى.
وأما ساقها فهو الإخلاص، والإخلاص كما عرفه البعض إخراج الخلق عن معاملة الحق، فالحق سبحانه وتعالى أغنى الشركاء عمن يتوهم إشراكه معه في قصد العمل ومن عرف غنى الله عن المخلوقين وإمداده الدائم لهم.
فهم به ولا حول لهم ولا قوة من دونه ، لا يمكن إلا أن يخلص لله في جميع أفعاله - وأما فروعها فالأعمال - وهي الأعمال الجسمانية والقلبية بتمامها حسب الشرع الحكيم ودون ابتداع في العبادات وبكونها تتقي الحرمات والشبهات في المعاملات وتسعى إلى نفع خلق الله طمعا بمحبته-وأما ثمارها فهي ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح-وتلك سيما المؤمن الموحد وأنواره.
ويقول ابن القيم: إن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا قطع عنها السقي أوشكت أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام إن لم يتعاهدها صاحبها كل حين بسقيها بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر أوشك أن تيبس وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم).
ومن هنا تعلم شدة الحاجة إلى ما أمر به الله تعالى من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بان وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد في قلوبهم إذن فالمطلوب لكي لا تجف شجرة التوحيد علم نافع وعمل صالح مخلص وذكر وتفكر في النفس والأكوان.
واعلم انك لكي تفلح في زراعة هذه الشجرة الطيبة وريها وتنميتها والإبقاء عليها وعلى نضارتها وحيويتها لا بد لك من ملازمة معلم مزارع(مربي) يتعهدك بالعناية والرعاية والتربية والتزكية.
وهو أمر انصرف عنه اليوم أكثر الناس فإذا بهم يخسرون حقائق التوحيد معرفة وذوقا وعملا وإخلاصا وتقربا وذكرا وتفكرا ويا لها من خسارة وما دمنا قد عزمنا على اتخاذ أسباب تحصيل القلب السليم النافع وحده يوم القيامة وما أظن أن أمرا أهم من هذا فليسع كل منا إلى المربي، فلولا المربي ما عرفت ربي.
ماهر سقا أميني
