عندما يذكر المؤمن ربه عز وجل بـ «البر»، وهو اسم مقدس يشعر من أعماق قلبه بأنه مغمور بنعم الله عليه، فلا يسعه إلا أن يتوجه بالشكر إليه بكل ما يستطيعه من حمد وثناء، ثم يجد نفسه عاجزاً كل العجز عن الوفاء له بالشكر على أصغر نعمة في نظره، فيكون اعترافه حينئذ بالعجز عن الشكر هو عين الشكر.

فهذا الاسم المقدس من أسماء الله الحسنى له ثلاثة معان: المعنى الأول: الاتساع في البر من غير حدود ولا قيود، فقد عظمت آلاؤه وعمت بركاته ووسعت رحمته كل شيء.

ونعم الله لا تعد ولا تحصى، منها الظاهر الجلي ومنها المستتر الخفي، ومنها الحاضر العاجل ومنها الغائب الآجل، ومنها ما تدركه العقول ومنها ما استأثر الله بعلمه وجعل العقول قاصرة عن فهمه.

والمعنى الثانى: الاستجابة والقبول.. فالله عز وجل بر يقبل من عبده العمل الصالح ويضاعف له الأجر فيه.

والمعنى الثالث: الصدق في الأقوال والأفعال.. فالله عز وجل بر صادق في وعده وخبره لا ريب في ذلك عند كل مؤمن.

وإذا أدرك العبد معنى هذا الاسم عاش في ظله في نعمة سابغة قريرة عينه بما وهبه الله من عطاء وما منحه من هدى وما أفاض عليه من كرم. ويتعلم من ذلك كيف يكون شكوراً على النعماء مشاركاً غيره في السراء والضراء.

إن الله جل وعلا يعطي بغير مَنّ، ويمنح بدون مقابل فليتعلم العبد من ذلك أن يكون إحسانه لغيره كذلك ويقتدي بما يهدى إليه مضمون قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً).

فكان جزاؤهم من الله وحده في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

وعلى المؤمن أن يتأدب مع الله عز وجل ببر نفسه أولاً بالإقبال على تأديبها وتهذيبها وتغيير صفاتها السيئة بأخرى حسنة، وإن لم يفعل ذلك فقد ظلم نفسه وأساء إليها في الدنيا والآخرة.

ثم يبر والديه فيحسن إليهما ويعطف عليهما، ويكون لهما خير معين في أمور الدين والدنيا.

ثم يبر أقرباءه وجيرانه وأصدقاءه وسائر من يعرف من المؤمنين وغيرهم ممن لا يقاتلنا في الدين، ولا يعين أحداً على قتالنا. وليثق كل الثقة أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

والبر من المؤمنين هو الذي يجتهد في الطاعات وينأى بجانبه عن السيئات ويسرع في إجابة دعوة الحق ويؤثر الخير والبر والصدق ويتضرع إلى الله.

وهؤلاء الأبرار الذين يتمنى كل مؤمن أن يحشر معهم هم الذين عرفوا الله عز وجل معرفة أهلتهم لمعرفة أنفسهم فأيقنوا أنه هو الغني عنهم، وهم الفقراء إليه فطمعوا في بره وجوده وإحسانه وسألوه وهم موقنون بالإجابة بأسلوب يعبر عن صدقهم في حبه وإخلاصهم في توحيده وحاولوا جهدهم يعترفون بعجزهم عن شكره ليكون اعترافهم بالعجز عن الشكر هو عين الشكر.

رجاء علي