هيمن فيلم «ذي هرت لوكير ـ خزانة الألم» حول الحرب في العراق على الحفل الثاني والثمانين لتوزيع جوائز الأوسكار مساء أول من أمس في عاصمة السينما العالمية هوليوود، حاصدا ست جوائز بينها جائزتا أفضل فيلم وأفضل إخراج خلال ليلة تاريخية في هوليوود.
وأطاح الفيلم المشوق حول يوميات وحدة لنزع الألغام في الجيش الأميركي تعمل في العراق بمنافسيه فيما أصبحت مخرجته أول امرأة تفوز بجائزة أفضل إخراج.وقد أثار هذا الفيلم جدلا في الأيام الأخيرة ولا سيما في أوساط مقاتلين سابقين، ونازعي ألغام محترفين اخذوا عليه مشاهده غير الواقعية والصورة غير الايجابية جدا التي يعكسها عن العسكريين. ورفع العسكري السابق جيفري أس سارفر شكوى على كاتب السيناريو متهما إياه بانتهاك حياته الخاصة لأنه وصفه في السيناريو.تم تصوير الفيلم بكاميرا متنقلة سريعة الحركة وهو ما ميز مخرجة العمل التي أضفت عليه عنصر أقترب كثيراً من الوقت وخصوصا في طريقه الاشتباكات أو لحظات تفكيك القنابل أو حتى عنصر وصف الذكريات لكل شخص وهو يستحق بالفعل التأمل والرصد وإعادة المشاهدة.
وما قدمته المخرجة كاثرين بيغلو ببراعة على مدى 122 دقيقة في هذا الفيلم أحداث حقيقية كشفتها وثائق تم الإفراج عنها من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وكتب السيناريو لها الصحافي مارك بول الذي رافق هذه الوحدات لفترة طويلة ورصد الحياة اليومية لأفراد هذه الفرقة في إحدى المدن التي تخيم عليها أجواء القتال.
وتظهر اللقطات والمشاهد التوتر الذي يصيب الجنود بمجرد دخولهم إلى المدينة العراقية، فمهمتهم ليست بالسهلة أو البسيطة، وهي تفكيك القنابل التي زرعتها المقاومة على طريق القوات الأميركية.
وعلى جوانب الشوارع، إلا أن الجنود يكتشفون من خلال تعاملهم مع هذه المتفجرات مشاعر الكراهية التي تحيط بهم من قبل السكان سواء في البالكونات أو أسطح المنازل أو مآذن المساجد المنتشرة في كل مكان، كما أن مجموعات المقاومة ليس لها شكل محدد فأي شخص يمكن أن يطلق عليهم النار في أية لحظة ويفجر العبوات الناسفة عن بعد بالموبايل أو الريموت كونترول.
ويبدأ الفيلم بعبارة «الحرب إدمان» والتي وضعت بتعمد واضح لتدفعنا إلى التفكير في هذا النوع من المخدرات والمدمنين عليها، وتدخلنا الأحداث مباشرة إلي عام 2004 أي بعد مرور عام على الغزو الأميركي للعراق، من خلال ثلاثة رجال يتحركون في كل الاتجاهات من أجل تمشيط المكان وإبطال مفعول قنابل المقاومة ذات العبوات الناسفة المحلية الصنع وكذلك القضاء علي زارعيها.
وتفاجئنا الأحداث بالشخصية المغامرة أو المدمنة على الحروب، وهو القائد الجديد للمجموعة جيمس «جيرمي رينير» الذي حل بديلا عن زميله السابق، الذي تطاير جسده في بداية الفيلم بعد انفجار عبوة ناسفة كان يحاول إبطال مفعولها، حيث يتمتع جيمس بجرأة استثنائية فهو يفخر بكونه وفق في إبطال مفعول 873 قنبلة.
كما أنه يندفع بقوة نحو الهدف دون مراعاة للأنظمة والضوابط التي يحرص زميله سانبورن «أنتوني ماكي» على التقيد بحذافيرها لرفضه المغامرة التي يمكن أن تكلفه حياته، فيما يقف زميلهم الثالث ألديريج «بريان كريثي» في موقع الوسط، فهو لا يريد أن يقتل ولا أن يقتله أحد، ورعبه من فكرة الموت تجعله مترددا وحريصا من أجل العودة إلى وطنه سالما، ويبرز سيناريو الفيلم رؤية كل منهم للواقع الذي دخلوا فيه وكيفية أداء كل منهم وسط الانفعال والخوف الذي يحكم ظروف عملهم.
وينضم فيلم «خزانة الألم» الذي تم تصويره في الأردن والكويت إلى سلسلة الأعمال التي تناولت الحرب على العراق من وجهة نظر عسكرية أميركية مع تجاهل تام للجانب العراقي في هذه القضية، وهو ما يشكل احد المآخذ عليه رغم تجنبه التحيز لأي طرف وتركه الخطوط ترسم مآسي الحروب وويلاتها، وخصوصا تأثيرها على الشعب الذي يقدم قربانا لهذه الصراعات.
ولعل المشهد الذي يظهر فيه عراقي مكبلا بالسلاسل ومربوطاً وسطه بعبوات ناسفة موقوتة يعبر عن وحشيتها، والأكثر منه رعبا صورة الطفل الذي أطلق على نفسه لقب «بيكهام» لعشقه لعب كرة القدم، والذي يعمل بائعا لأقراص السي دي الممغنطة وأفلام الفيديو قرب معسكر الأميركيين، ينقل إلى موقع مجهول ويعذب ثم يقتل ببشاعة بعدما اعتبر متعاونا مع العدو، ويتم زرع عبوات ناسفة في أحشائه لتفجيرها عند نقل جثمانه.
ويأتي «خزانة الألم» في مقدمة أفضل الأفلام التي تناولت الحرب العراقية حتى الآن، والمدهش أن هذا الفيلم الذكوري في شخصياته وأحداثه أخرجته امرأة وهي التي خططت لكي يكون ملحمة صادمة عن بشاعة الحرب بالصورة، فكل لقطة تفتح الطريق للقطة أخرى في بناء فني رائع يتصاعد مع اختيار أماكن التصوير ودرجات الإضاءة وحركة الكاميرا وطريقة أداء الممثلين التي تتضافر في انسجام كامل دون نشاز أو خلل، مع بقية المهارات الفنية من مونتاج وتأثيرات صوتية .
وبصرية مع كتابة سينمائية بحرفية عالية للشخصيات الرئيسية، التي أجمع أغلب النقاد إن لم يكن كلهم على توفيق المخرجة كاثرين بيغلو في اختيار أبطالها الثلاثة الذين لا ينتمون لنجوم الصف الأول ونجحت بالفعل في صنع حالة سينمائية جذابة ومثيرة للجدل دون الاستعانة بوجوه هوليوود المألوفة.
وأهدت بيغلو جائزة الأوسكار التي حصل عليها فيلمها إلى القوات الأميركية المنتشرة في العراق، ولم يكن فوز بيغلو بالمفاجأة إذ مهد له فوزها مؤخرا بجائزة رابطة المخرجين التي تعتبر بابا جانبيا إلى الأوسكار.
أسامة عسل

