غبت ليومين عن المكتب في عمل ميداني، وحين عدت مع بداية الأسبوع إلى القسم الذي يضم مكتبي وكذلك مكاتب الزملاء في فريق العمل، فوجئنا بحدث غريب، حيث بدأنا نسمع صوت قط بدا أنه صغير وضعيف، تتبعنا مصدر الصوت، وفي كل مرة كنا نفشل في الوصول إليه على الرغم من كونه يصدر من تحت أحد مكاتبنا، لكننا لم نستطع تحديد أي مكتب.
مع تكرار سماع الصوت وعدم عثورنا على مصدره شككنا أن زميلنا الموهوب بتقليد الأصوات هو من يقوم بذلك لإشاعة روح المرح والفكاهة على يومنا. لكن الزميل كان أكثر المهتمين بالبحث عن مصدر الصوت، خاصة أن الصوت ينطلق لمرة واحدة ولجزء من الثانية.
ثم يصمت لساعة أو أكثر قبل أن يعاود الصدور مرة أخرى. أخيراً تصورنا جميعاً أنها نغمة هاتف نقال لأحد الزملاء الظرفاء، وعند هذه القناعة عدنا إلى ممارسة عملنا بتركيز، لكن الصوت لم يتوقف. أنهى زميلنا الموهوب بالتقليد عمله وغادر مكتبه، كما انصرف جميع الزملاء ممن تنطبق عليهم صفات الدعابة، وبقينا ثلاثة والصوت معنا.
قمت بحركة جادة لاكتشاف مصدر الصوت، قبل أن يموت القط مختنقاً أو من الجوع، حيث مضى أكثر من سبع ساعات منذ بدأ الوضع، ولكوني الغائبة ليومين عن المكتب خمنت أن يكون مكتبي المكان الأفضل للاختباء أو الانحشار، فأزحت من تحته ما يشكل حاجزاً لتأمين خروج الكائن المحشور ربما.
وقمت بتحريك الأدراج لتصدر أصواتاً منبهة لعل الكائن يفر خائفاً، أو يجد ثغرة الخروج، لكن حتى هذه المحاولة باءت بالفشل، فقمت بالتفتيش تحت وخلف مكاتب الزملاء المنصرفين، ولم تكن النتيجة مختلفة، وعندها أطلقت تعليقاً أتفكه به على الموقف.
حيث نسمع صوت قط قريب ولا نجده ولا نراه، فقلت إن لم يكن قطاً فلعله جن، وبمجرد تلفظي بهذه الكلمة وإذ بقط أسود ضخم يخرج من تحت مكتبي، وبالكاد يمكنه السير لضخامة حجمه ووزنه، فر من أمام أحد الزملاء، ثم توقف أمامي، ورمقني بنظرة متوحشة يكاد يفترسني بها، لكن زميلاً سارع إلى توجيهيه للمخرج بهدوء كأنما يعامل كائناً بشرياً.
لقد أخرجنا القط الأسود الغريب، لكننا لم نستطع استخراج إجابة لأسئلتنا عن كيفية وصول هذا القط إلى المكتب في الطابق الثاني والأبواب مغلقة والمصعد والسلالم في حركة متصلة على مدار الساعة، فكيف ولمَ؟، وهل لمْ يره أحد يصعد الطابق الثاني عبر السلم أو المصعد ثم يدخل المكتب؟
ومنذ متى يختبئ هناك؟ كلها أسئلة تضعنا في الغالب أمامها مثل هذه المواقف الغريبة التي تعترض حياتنا ويومياتنا لنقف عندها بلا أي تفسير، علماً أن هناك من توحي له بدلالات وتفاسير يمكن أن تحال إلى سرديات من المتخيل والموروث.
لكن مع ذلك ظلت الأسئلة كلها معلقة، وظل الموقف تجربة ليس لها أي تفسير إلا أن تكون حقاً من عمل الجان، لكن لم اختارني بالذات؟ بل هل اختارني فعلاً أم أنه مجرد تخمين جاهل ليس إلا؟
هدى.م.س
