السؤال في العنوان قد يطرح على الجميع، ولاشك أن طرحه يسبب ربكة وتوترا للمجيب، لكونه سؤال قد لا يكون متوقعا، فهو مباشر يدخل إلى أعماق الإنسان ويتوقف على ضميره بين الحيرة والحياء، وقد يشتت الأفكار والعبارات، حين يتوقف المرء أمام السؤال بمجموعة أسئلة قبل أن يبدأ التفكير بالإجابة عن السؤال، وقد يحتاج المرء وقتا للتفكير في الإجابة.
لكن هل يوفق في الوصول إلى المعنى المراد من السؤال أم يغمض عليه القصد؟ وجميعنا معنيون بالتعلم من الحياة وأخذ الدروس من تجارب البشر وخبراتهم مهما بدت تجاربهم غريبة أو بسيطة ليس على المرء أن يستهين بنتائجها أو فائدتها. وإليكم هذه القصة لنتعلم من تجارب الآخرين وخبراتهم ما يجعلنا أكثر فطنة وعمقا وصلابة ووعيا.
فقد كان هناك رجلٌ شيخٌ طاعنٌ في السن، يبدو عليه الألم والإجهاد في نهايةِ كل يوم فسأله صديقه يوما.. ولماذا كل هذا الألم والإرهاق الذي يبدو عليك؟
فأجابه الرجل الشيخ الطاعن بوهن المتعب من المجهود: ذلك لأنه يُوجد عندي بازان (الباز نوع من الصقور حاد البصر) يجب عليَّ كل يوم أن أروضهما، وأبرقعهما كي لا يجولا النظر فيفلتان.
وكذلك عندي أرنبان يلزم علي أن أحرسهما من الجري خارجاً. وعندي صقران عليَّ أن أُقَوِّمهما وأدربهما لكي يصيدا جيداً. وعندي ثعبان سام، عليَّ أن أحاصره كي لا يلدغ أحدا أو يلدغني. وعندي أسدُ عليَّ أن أحفظه دائماً مُقيَّداً في قفصٍ حديدي، كي لا ينقض علي فيهلكني. وعندي مريضٌ عليَّ أن أعتني به وأخدمه.
قال الصديق: ما هذا كله يا رجل، لابد أنك تمزح! لأنه حقاً لا يمكن أن يوجد إنسان يراعي كل هذه الحيوانات المفترسة والجامحة مرةً واحدة!
قال الشيخ الطاعن إنني لا أمزح، ولكن ما أقوله لك هو الحقيقة المحزنة والهامة، وإن أردت أن تعرف فإن البازين هما عيناي وعليَّ أن أغضهما عن النظر إلى الحرام إلى ما لا يحل النظر إليه باجتهادٍ ونشاط، وأما الأرنبان فهما قدماي وعليَّ أن أحرسهما وأحفظهما من السير في طرقِ الخطيئة، والصقران هما يداي وعليَّ أن أدربهما على العمل فلا تكسلا حتى تمداني بما أحتاج من رزق حلال وبما يحتاج إليه الآخرون من أخواني.
وأما الثعبان فهو لساني وعليَّ أن أحاصره وألجمه باستمرار حتى لا ينطق بكلامٍ معيبٍ مشين، والأسد فهو قلبي الذي أنا معه في حرب مستمرة وعليَّ أن أحفظه دائماً مقيداً كي لا يميل ويهلكني. أما الرجل المريض فهو جسدي كله الذي يحتاج دائماً إلى يقظتي وعنايتي وانتباهي.
إن هذا العمل اليومي يستنفد طاقتي وجهدي ووقتي فعلي أن أكون حارسا جيدا، لكي لا تتفلت مني هذه الحواس الجامحة فتأخذني للزلل ثم ترديني قتيلا.
إيمان زكي ـ السعودية
