المكان هنا جنوب إفريقيا التي ربما لا نعرفها جيداً، لكننا نحفظ عن ظهر قلب اسم نيلسون مانديلا وحكايات الوجوه السود، صاحبة الأرض والعمق الحقيقي لكل ما هو موجود على الربوع الإفريقية، والتي يضفي عليها السحر غموضاً وجمالاً، ويعكس في ثناياها رحلة طويلة وشاقة من التمييز العنصري، لكننا مع كل ابتسامة تنفرج ونراها على الشاشة تكشف عن أسنان بيض، نتأكد أن في صدور أهل هذه البلاد قلوباً بيضاء أيضاً.
ساعتان و15 دقيقة هي مدة فيلم «إنفكتوس» الذي بدأ عرضه هذا الأسبوع في صالات السينما بالإمارات، والذي يحكي عبر أحداثه قصة رائعة لتوحيد وطن ممزق عبر الرياضة، حيث يرسم المخرج كلينت إيستوود بورتريهاً رائعاً وإنسانياً لنيلسون مانديلا، من خلال مباراة في «الركبي» مربكة ومحيرة للزعيم الجنوب إفريقي في أول مجابهة له، كرئيس ـ عام 1995 ـ مع ذكريات عن الصراع العنصري في بلاد تعاني من الفقر والجريمة وتغلي نتيجة العداء وانعدام الثقة بين السود والبيض.
يفتتح الفيلم في يوم خروج مانديلا من السجن عام 1990، عندما يمر موكبه بلاعبي كرة قدم سود يتوقفون ويهللون له، لكن في الجانب الآخر من السور، يتهكم لاعبو الركبي البيض على الموكب، ما يجعل مدربهم يعلق «هذا الإرهابي مانديلا، وهذا هو اليوم الذي أعطيت فيه بلادنا للكلاب»، في تلك اللحظة كان من الصعب والمستحيل التصور والاعتقاد أن هذا الإرهابي سوف يقوم بتوحيد هذه الأمة التي تشبه الجزر المنفصلة.
وفي عام 1994، يفوز نيلسون مانديلا (يجسد دوره مورغان فريمان) في الانتخابات التاريخية لبلاده، ويكون أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، ويصبح التحدي الأول الذي يواجهه هو تحقيق التوازن بين طموح السود وخوف البيض.
ومع استعداد بلاده لاستضافة كأس العالم للركبي عام 1995، يغتنم مانديلا هذه الفرصة لتوحيد شعبه، عن طريق حشده وراء فريق الركبي (سبرنيغبوك)، غير أن هذا الفريق فاشل ومكروه من قبل السود، الذين يطالبون بتفكيكه، لأنه يمثل بالنسبة إليهم استعادة الذكريات عن نظام التفرقة العنصرية، لكن مانديلا يرفض ولا يتراجع، ويدعو كابتن الفريق فرانسوا بيينار (الذي يلعب دوره مات ديمون) إلى مكتبه ويطلب منه إعداد فريقه للفوز ببطولة العالم للركبي.
يتمرن فريق (سبرنيغبوك) على مدار الساعة، وعلى مضض يتجول في جميع القرى والمدن، مقدمين أنفسهم واللعبة إلى السود تحت شعار (فريق واحد بلد واحد)، ويتابع مانديلا عن كثب هذا التقدم الذي يحرزه الفريق ويراقب بشغف وحرص كل مباراة، فيما يجتمع الشعب وراءه من انتصار لآخر.
ويعطي (ماديبا) وهو اللقب الذي يطلقه السود على زعيمهم مانديلا، قصيدة «إنفكتوس» والتي تعني «لا تقهر» إلى كابتن الفريق فرانسوا بيينار، لتكون ملهمة لهم لتحقيق الفوز بكأس العالم، وهي للشاعر البريطاني وليام إرنست هونلي واعتاد مانديلا إنشادها لنفسه عندما كان في السجن، وتأخذنا اللقطات إلى زنزانة مانديلا الخانقة في جزيرة روبين، في دلالة على أنه على الرغم من ال27 عاماً التي ضاعت من حياته في الحبس دون اتصال بالبشر.
فإن مانديلا لم يخرج من السجن بإحساس بالمرارة والغضب أو الرغبة في الانتقام، بل على العكس يدعو إلى التسامح وضبط النفس والانسجام. وعلى عكس كل التوقعات، تتحول لعبة الركبي الوحشية إلى إلهام للجميع، البيض الذين يحتقرون مانديلا يتعلمون من تصرفاته كيف يحترمونه، والسود الذين يشكون فيه يبدأون تدريجياً في الوثوق به.
وفي نهاية المطاف، يتحد الجانبان خلف قيادتهم ويهللون لفريقهم الوطني الذي يربح كأس العالم لعام 1995 بعد مباراة مثيرة مع فريق نيوزلندا الشرس، وفي اللقطة الأخيرة يجتمع السود والبيض يحتضنون بعضهم بعضاً بشكل مبهج معبر عن السعادة والتآلف، فيما يحتفلون بفوز فريقهم.
وبمقدار ما ركز فيلم «إنفكتوس» على لعبة الركبي التي استهلكت الكثير من الوقت على الشاشة، لكننا شاهدنا جنوب إفريقيا في جميع اللقطات وحوارات الشخصيات وتطورها، واستمتعنا بأداء مات ديمون كلاعب ركبي، وكان مورغان فريمان في دور مانديلا ساحراً، وأجاد تقمص شخصيته المرحة وحركاته ولهجته وطريقة انفعالاته، وألهمنا بكلماته الشعرية وسلوكه الهادئ والمريح الذي قربنا كثيراً من مانديلا البشري، رغم عدم تناوله لعلاقاته المضطربة مع زوجته وابنته أو حتى أصدقائه.
واختار كلينت إيستوود أسلوباً فنياً مبدعاً في إخراج ورصد جميع التفاصيل، الشوارع وهي خالية خلال المباراة، المنازل والمقاهي والنواصي والملعب المزدحم بالبشر، ردود أفعال الناس وهي تتابع إحراز الأهداف أو إخفاق اللاعبين في تحقيقها، تقارب البيض والسود والتفافهم حول هدف واحد وذوبان مشاعر الكراهية والانفصال (والدة فرانسوا بيينار مع خادمتها السوداء، حراس الرئيس السود والبيض وفرحتهم بالفوز، الصغير الأسود الذي يندمج مع رجال الشرطة أثناء سماعهم للمباراة من راديو السيارة)، وكانت بعض المشاهد مثل ومضات معبرة عن صفحات في ذكريات هذا الوطن، أو تأكيداً لبعض مواقف الزعيم الإفريقي في جمل سينمائية شديدة الحساسية.
في هذا الفيلم الذي دفع ببطليه مورغان فريمان ومات ديمون للمنافسة على جوائز الأوسكار لعام 2010 كأفضل ممثل ودور مساعد، والتي تقام غداً على مسرح بيفرلي هيلز بلوس أنجلوس، يسجل إيستوود نقطة مضيئة أخرى في تاريخه الفني الذي بات مدهشاً ولافتاً للنظر، تاريخ يتصاعد من أقصى درجات اليمين والعنف والفاشية إلى أعلى ذروتي الإنسانية واللاعنصرية، فبعد تصوير فصول من الحرب العالمية الثانية من منظور مختلف عن سجلات التاريخ الرسمي في فيلم (رسائل من إيوو جيما)، ومروراً بعمل متميز (التبديل) عن مخادعة الشرطة مع النجمة أنجلينا جولي.
ثم فيلم العام الماضي الذي يستحق التوقف والتأمل عن تحول كهل متقاعد من متطرف يميني يكره الآسيويين الذين يغزون أميركا في (غران تونيور)، يأتينا عمله الجديد (إنفكتوس) مدافعاً عن الملونين في مواجهة كل ضروب العنصرية، ليصبح التساؤل ملحاً عن ضرورة تكريم هذا المخضرم الذي بدأ حياته ممثلاً وينهيها مخرجاً يحمل بصمة خاصة باعتراف الكثير من النقاد.
أسامة عسل


