شعوب الأرض جميعاً تتطلع إلى حياة كلها سلام وعزة ورقي وتقدم، والدول تريد أن تلحق بركب الحضارة وأن تعيش حركة كريمة، والكل أفراداً وشعوباً ودولاً كبرى وصغرى أحوج ما يكون إلى قوانين تنظم علاقاتهم، وإلى حلول حاسمة تنقذ البشرية وتجنبها ويلات الحروب وسوء المصير وتنشر السلام والعدل بين بني الإنسان.
وليس هناك مخرج للبشرية كلها وسط هذه الأحداث المريرة التي يموج بها المجتمع الإنساني فتقوم الفتن، وتنشب الحروب، وتدب الخلافات التي تعوق تقدم الناس وتفسد عليهم حضارتهم سوى مبادئ الإسلام السامية وقوانينه الراقية وتعاليمه العادلة ونظمه المحكمة التي ترتكز على الفطرة السليمة المتجهة دائماً إلى البر والرحمة والخير والبناء والتعمير والعمل والصلاح، لإصلاح أحوال الناس في الدنيا والآخرة، لأن دستور الإسلام القرآن الكريم يبني العلاقة الإنسانية على أساس من العدل والإنصاف، قال تعالى موجهاً الخطاب للمسلمين: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين». كما أمر الله تعالى بالمعاملة الحسنة لكل الناس، لأن ذلك يجلب الحب ويذهب الكره والبغض والحقد من النفوس ويعمل على الوفاق فقال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). كما يدعو القرآن الكريم إلى الجنوح إلى السلم وترك القتال والبعد عن التشاحن والبغضاء والكراهية فيقول: (ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ).
كما أن القرآن يثير روح القربى والمودة في نفوس الناس، فيخاطبهم جميعا في أكثر من آية كريمة ويقص عليهم أنهم اخوة لأب واحد وأم واحدة، لكي يستشعروا معاني الاخوة والصلة والحب والرحمة التي هي قائمة بين الأخ وأخيه، ليشقوا طريقهم في الحياة على هذا المعنى النبيل الطيب، فلا يتعدى إنسان على إنسان، ولا يظلم شعب شعبا، ولا أمة تغتصب حقق أمة. كما يجري الآن.
تقوى الله
يذكرهم الله بأن يتقوه في معاملة بعضهم بعضا والخطاب عام للناس أجمعين، وفي ذلك دلالة عموم تعاليم الإسلام للناس أجمعين كما دعاهم إلى علاقة إنسانية صافية لا يكدرها نزاع بين فرد وفرد أو حرب بين شعب وشعب فقال تعالى: (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) فنظام الإسلام يكفل العدالة الدولية التي تجعل غير المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، من حقوق وواجبات تجاه الفرد والمجتمع، فالدين الإسلامي يقيم نظاما يحكم علاقات الناس وتصرفاتهم ومعاملاتهم حتى يشيع السلام بين البشر، وتعم العدالة الاجتماعية بين شعوب الأرض على اختلاف ألسنتهم.
ولقد جعل الإسلام نظام العفو أساساً في تعاليم الإسلام وقانوناً مفروضاً على المسلمين عند المقدرة، وألوانهم وتباين معتقداتهم، ويجعل ويجعل الكل أمام القانون سواء، لذلك بنى الإسلام نطاقه على أربعة أمور تكفل إقامة أمة إسلامية بالعدل قائمة وعلى الحق متمسكة وبالأخلاق الفاضلة عاملة، وتضمن إقامة صلات طيبة بينها وبين الأمم جميعاً في ظل تعاون على نشر السلام والنهوض بالبشرية كلها.
العدل المطلق
الأمر الأول: العدل المطلق لأنه إذا فقد العدل في مجتمع من المجتمعات خلفه الظلم الذي يسلب الناس حقوقهم ويثير الفتن والحروب بينهم، لأن الطبائع الإنسانية مفطورة على التمسك بحقوقها والدفاع عنها، لذلك أمر الله تعالى بالعدل وحرم الظلم، فقال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). لأن كل نظام لا يقوم أساساً على العدل، فهو محكوم عليه بالانهيار والفشل، ولذلك طالب الله تعالى المؤمنين بإقامة العدل. وفي الحديث القدسي قال الله تعالى ما معناه: (يا عبادي إني كتبت العدل على نفسي فلا تظالموا).
الأمر الثاني: إقامة الحق على الجوارح، فلا يترك إنسان لهواه أن يصرفه كيف يشاء فيفسد في الأرض ويبطش بمن هو أضعف منه، ويسلب الفقراء حقوقهم والله عز وجل يخوف المسلمين عاقبة ذلك فيقول «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» وقال عز وجل «اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون».
* الأمر الثالث: الصدق في المعاملة والوفاء بالعهد، لأنه إذا فقد الصدق والوفاء بين الناس انتشر الكذب والغدر والخيانة وملئت الأرض رعباً وظلماً وفجوراً، والله تعالى يأمر عباده بالصدق والوفاء فيقول: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين » لأن الصدق يهدي إلى البر والكذب يهدي إلى الفجور والظلم.
العفو والصفح
* الأمر الرابع: العفو عند المقدرة، ما شهد التاريخ منتصراً يميل إلى العفو والصفح الجميل كالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين بذلوا أرواحهم في سبيل نشوء الدعوة الإسلامية وحماية الحرية والسلام، فيوم دخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً منتصراً على الذين آذوه وأوسعوا أصحابه عذاباً وظلماً، قال لأهل مكة «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء» وكيف لا يكون هذا من الرسول عليه الصلاة والسلام وقد أنزل الله تعالى عليه «خذ العفو واؤمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» فلما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي عليه السلام فكيف بالغضب يا رب؟ فأنزل الله تعالى «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم» لقد جعل الإسلام نظام العفو أساساً في تعاليم الإسلام وقانوناً مفروضاً على المسلمين عند المقدرة، فقال تعالى بصيغة الأمر موجهاً الخطاب للمسلمين «فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره».
وهكذا يدعو الإسلام إلى عدالة دولية تقيم مجتمعاً إنسانياً في عيشة سعيدة للكل، تضمن فيه حقوق بني الإنسان، لأن تعاليم الإسلام جاءت من عند رب الناس ملك الناس إله الناس العالم الخبير بأحوال الناس، لأنه جلّ شأنه هو الذي خلقهم ويعلم ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة.
عبدالكريم صقر

