بعض المواقف تستقر في أعماق الذاكرة، حتى لو كانت لآخرين، خاصة التي يعقبها الفضول، فالمرء يهمه أن يعرف ما يحدث أمامه، ولا يشعر بالراحة وهو يرى الموقف أو المشهد وهو ناقص، تماما كمن يتابع حكاية، يود أن يصل للخاتمة فيعرف كيف انتهت كما عرف البداية، وذلك فقط لمكنه الربط ولتكتمل لديه عناصر الفكرة أو العبرة فيستفيد، أو يبادر ويفيد.
قبل ثلاث سنوات تقريبا حين كنت ما أزال طالبة في المرحلة الثانوية، كنت أنا وأختي التي تكبرني بعام واقفتين أمام المنزل في انتظار حافلة المدرسة. لم ننتظر طويلا قبل أن ندرك أن الحافلة قد غادرت مسبقا، فاتجهنا نحو موقف سيارات الأجرة لتبدأ رحلة الانتظار الأبدية لعل أحد سائقي ال«تاكسي» يشفق على حالنا.
بدأت أختي بالشكوى والتذمر حين قرر أحد سائقي حافلات المواصلات العامة التوقف ليحجب عنا الرؤية وبالتالي سيارات الأجرة. تقدمت أختي قليلا حتى تستطيع الرؤية بحيث كانت تسد الباب الخلفي للحافلة. بطبيعة الحال، صعد الجميع إلى الحافلة من الباب الأمامي ولكني رأيت رجلا يركض من بعيد وعلى وجهه علامات التعب وبدأ ينادي على الجميع طالبا منهم إيقاف الحافلة.
حين وصل أخيرا إلى الباب الخلفي للحافلة، رفضت أختي التحرك بسبب استيائها من سائق الحافلة الذي أكمل طريقه تاركا أختي في حنقها والرجل في صدمة منعته من التحرك. حدث كل شيء في ثانية أو جزء منها.
توقفت سيارة أجرة أخيرا ووصلنا إلى المدرسة. حينما كانت المعلمة تحدثنا عن سحابة الالكترونات والأيونات وغيرها من المفاهيم التي لم أفهمها يوما.. كنت أفكر فقط في ذلك الرجل. لا بد أنه كان على موعد هام. لربما تحطمت حياته بعد ذلك الموقف ببساطة..
لأن أختي رفضت التحرك. في اليوم التالي، كنت أيضا أنا وأختي خارجتين من مركز التسوق حين لمحنا رجلا كبيرا في السن يخرج من سيارة أجرة كان بها راكبين غير السائق.
بعد أن مشى بضع خطوات، تحسس الرجل جيبه وبدا كأنه فقد شيئا فركض نحو سيارة الأجرة التي كانت لاتزال في مكانها.
وجدت نفسي أركض مع الرجل نحو السيارة.. لا أعلم لماذا.. ربما لأنني في اليوم السابق وقفت بلا حراك فكانت اليوم فرصتي لأفعل شيئا.
حين وصلت إلى السيارة تجاهلني السائق تماما وغادر مسرعا رغم محاولة الرجل اليائسة لفتح الباب بل واللحاق بالسيارة.
عدت لأجد أختي تعبر عن غضبها من تصرف السائق والركاب فما كان مني إلا أن ذكرتها بما فعلته هي نفسها في اليوم السابق. حدث هذا قبل ثلاث سنوات، ولكن حتى هذا اليوم، كلما أرى حافلة أو سيارة أجرة أتساءل ما الذي حل بالرجلين بعد ذلك الموقف.
عهد الطريفي
