تبدو الحياة على الطرقات مجتمعاً مصغراً، يفك شفرة سلوكيات بني البشر، واختباراً حقيقياً لمهاراتهم، وعبرها تنكشف أمزجتهم وعقدهم التي يزجون بها أمام الآخرين، في مدينة تصل الليل بالنهار لن تحتاج لوقتٍ طويلٍ، حتى تتقن قراءة مبادئ قيادة السيارات على شوارع دبي، وتتعرف إلى الكم الهائل من الأخطاء التي يرتكبها مرتادو الشوارع بأنانية ولا مبالاة وسلوكيات، لا تعترف بحقوق الآخرين على الشارع، معرضين حياة الجميع للخطر، ولا رادع.

يبدو لا رقيب على أصحاب رخص القيادة. فما الذي يوقف تدفق كل هذا العدد من المتقدمين للحصول على رخصة القيادة في مدارس التعليم؟

فالرخصة بدأت تفقد هيبتها تدريجياً بعد أن أصبحت متاحة للجميع، إذ ان مشواراً واحداً إلى تلك المدارس كفيل بالإجابة عن السؤال.

رغم شوارعها الواسعة، وطرقها المستوية والمعبدة، والمُضاءة، والمُزودة بالرادارات الحديثة، إلا أن الحوادث في دبي لا تهدأ ولا تستريح، فما يحدث هنا لا يُشبه ما يحدث في دول أخرى، بالكاد يمكن تمييز رصيفها من شارعها، ولا تعترف بوجود إشارة مرورية.

بينما يزداد ويتناقص عدد مسارات المركبات بطريقة عشوائية، على مبدأ «مشّ حالك»، أما هنا فكل شيء مؤهل لأن يحظى مرتادو الشوارع بقيادة آمنة، ولكن يبدو الخلل في الفجوة بين وضع النظام والقدرة على تطبيقه، وتفعيل دوره عبر شريحة واسعة من السائقين المنتمين لثقافات عدة ولغات مختلفة، يفقد أصحابها حلقة التواصل مع القانون.

في أحدث الإحصائيات الصادرة عن إدارة المرور في إمارة دبي، تؤكد أن شارع الجميرا لم يشهد وفيات جراء حوادث سير منذ عامين، بينما كان المعدل 3 وفيات سنوياً.

ويُعد الشارع المذكور التجربة الأنجح في التقليل من حوادث السيارات، فممارسو الموت على الطرقات، لن يفلتوا من قبضة الشارع المُزود بالرادارات، والمستعجلون منهم لن يجدوا مفراً من تخفيف السرعة، أمام المطبات التي تنتشر على طول الشارع، وتفصل بينها مسافات قصيرة، أما المشاة فيبدو أنهم الأقل التزاماً، فلا يزال مشهد القافزين فوق الحواجز، يتكرر بالرغم من وجود منافذ مخصصة لعبور المشاة.

يُصر البعض على ممارسة الموت في حضرة الآخرين، وتهديد حياة مستخدمي الطرق، وإن كانت سلوكياتهم غير مقصودة فهي أخطاء قاتلة، يدفع ثمنها من تواجد في محيط الحادث، عندما يقرر السائق انتهاك حرمة الطريق، واستخدام الهاتف النقال أو الدردشة عبر (البلاك بيري).

أو يتذكر فجأة أنه يسلك مساراً خاطئاً، فيزج بمركبته من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، عندها فقط يكون على الآخرين النجاة بأنفسهم من كارثة محتّمة، قد يظن البعض من السائقين أنهم يألفون المكان الذي يسلكون ولا يلتزمون بالالتفات يميناً أو يساراً، حتى إنهم يستغنون عن حواسهم الخارجية.

ولا يستفيقون إلا على صوت «الهرن»، أو دوي حادث كانت ثقتهم سبباً في وقوعه.. حينها لا حاجة للاعتذار أو التعذر بالنسيان، فهو عذر أقبح من ذنب.

أما النساء، فهن أكثر من يُلحق الضرر بسُمعة القيادة، حيث لا مفر من الاعتراف بأنهن الحلقة الأضعف، عندما يتعلق الأمر بالتركيز واستخدام مهارات عُليا في القيادة.

يبدو أن طاسة القيادة ضاعت، بين أصحاب «التكاسي»، ممن لا يعتقدون بوجود أحد سواهم في الشارع، وسائقي حافلات المواصلات، وشاحنات النقل، الذين يبعثون الهلع لدى كل من يختار المسار المحاذي لهم.

على العموم، يُقال من يستحق استخدام الطريق، ليس من لا يُخطئ، بل من يُحسن تجنب أخطاء الآخرين.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae