«مصائب قوم عند قوم فوائد»، هذا ما يعتمد عليه بعض «تجار» الإنترنت، الذين يعرضون بضاعتهم عبر مواقعهم الخاصة أو عبر المنتديات العامة المنتشرة بالآلاف على الشبكة العنكبوتية.
فمع بدء موسم الامتحانات وانشغال الطلاب والطالبات بالمذاكرة لساعات طويلة ومحاولة تحصيل علامات متقدمة، يستغل البعض عدم توافر الوقت لدى هؤلاء الطلاب للقيام بمهامهم الأخرى من بحوث وتقارير، تتطلبها العملية التعليمية وتعد جزءاً أساسياً لا يتجزأ منها، ويعرضون على الطلاب إراحتهم من عناء الذهاب الى المكتبات أو البحث على الإنترنت وقضاء وقت طويل في إعداد البحث أو التقرير، مقابل أن يقوموا هم بهذه المهمة لهم مقابل أجر.
وبعض الإعلانات كانت مغرية جداً، وتشكل صفقة رابحة لدى البعض، إذ عرض أحد التجار على الإنترنت بيع أي بحث أو تقرير بمبلغ 100 درهم فقط، مشيراً الى أن هذا العرض يشمل أيضاً إعداد بحث بطريقة «الباور بوينت» لجميع المراحل الدراسية.
تاجرة أخرى كتبت عنواناً لافتاً «حصرياً لطلاب وطالبات الجامعات والمدارس، بحوث بجودة عالية ومضمونة»، ويبدو أنها اكثر حرفية من غيرها من التجار، لأنها كما ذكرت في إعلانها، طالبة تعد لرسالة الماجستير، وهي على استعداد لعمل بحوث وتقارير وأوراق عمل وشرائح عرض، لكافة المراحل بما فيها الابتدائية الدنيا.
وابدت استعدادها لعمل بحوث وتقارير باللغة الإنجليزية بمساعدة خبير أوروبي كفؤ في هذا المجال، منوهة الى حرصها على كتابة المراجع في نهاية البحث كي لا يتسرب الشك الى المدرسة أو الجامعة بشأنه، وأن الأسعار على حسب الشغل ولكل بحث سعر يعتمد على موضوعه.وعرضت على الطلاب الدفع بأية طريقة تناسبهم، مقترحة إرسال أول صفحتين من البحث للطالب، ويدفع على أساسها «عربون»، ثم يدفع المبلغ المتبقي إذا ما أعجبه البحث وطريقة كتابته.
وبسؤال عدد من الطلاب حول ما إذا كانوا يلجأون إلى مثل هذه الخدمات، أكد ابراهيم محمد أنه يلجأ إليها وإلى بعض المكتبات التي توفر الخدمة نفسها، مشيراً الى أنه يكره إعداد التقارير والبحوث، لأنها تستغرق وقتاً طويلاً، وتتطلب جهداً عالياً.
يشاركه الرأي ماجد عبدالله الذي يشير إلى أنه يحتفظ بأرقام هواتف هؤلاء التجار، «ربما احتاجهم مستقبلاً، فالمدرس يعيد التقارير لنا أكثر من مرة لإضافة معلومات جديدة عليها، وهذا متعب، لذلك ألجأ لهذه الخدمة».
رشا سمير قالت: «كنت أقوم بكافة البحوث والتقارير بنفسي، وكنت أرفض دائماً مبدأ التجارة في هذا المجال، إلا أنني رأيت معظم من حولي يلجأون الى شرائها ويحصلون على الدرجات من المعلمين بكل بساطة بينما ابذل جهداً مضنياً يفوق المبالغ التي يتم دفعها لمثل أولئك التجار، فقررت بعدها اتباع نهجهم».
من جهته أعرب معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم عن استيائه الشديد من هذه التجارة، معتبراً إياها تساعد على تخريج طلاب اتكاليين يعتمدون على الغير في كل شيء، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذا الأمر ينسف ما تسعى اليه العملية التعليمية واستراتيجية الوزارة في خلق جيل متعلم واع مدرك لأهمية الأمانة، وأهمية البحث عن المعلومة لا نقلها مما لا يوصل في النهاية إلى شيء.
وقال: «القيام بالبحث أو التقرير يعزز عمليات التفكير ويفتح آفاقاً اكبر امام الطالب، إذ قد تقوده معلومة ما الى فكرة أخرى أجمل وأهم، وقد يساعده ذلك على الابتكار كما حصل مع العلماء والمبتكرين فهم لم ينقلوا أو ينسخوا ما أنجزه الآخرون بل صنعوه بأنفسهم عبر البحث والتمحيص، وعشق المعرفة ومحاولة الحصول عليها بشتى الطرق».
وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم ليست لديها آلية محددة لمراقبة مثل هذه الإعلانات وهذه التجارة على الإنترنت الذي يعد عالماً واسعاً، لكنه في الوقت ذاته أكد أن الوزارة ستنظر في الأمر بعين الجدية، مطالباً كافة المعنيين بضرورة محاربة هذه الظاهرة بمن فيهم الطلاب أنفسهم، وأهاليهم والمجتمع، بالإضافة الى المدرسة والمدرسين.
وأوضح أن البحوث الجماعية تعد واحداً من الحلول التي يمكن اعتمادها من اجل التأكد من إجراء جماعي للبحث أو التقرير، وعدم لجوء احد افراد المجموعة لشراء بحث، مؤكداً انه ليس حلاً، بل إحدى الأفكار التي يمكن من خلالها محاربة هذه الظاهرة، مطالباً المعلمين والمعلمات بتحري الدقة في ما يتلقونه من تقارير وبحوث، وضرورة غرس مبدأ الامانة في نفوس الطلاب بدءاً من المراحل التعليمية الدنيا، كي تصبح عادة ونهجاً، ويغرسوا فيهم حب التعلم والبحث عن المعلومة وتبيان مدى متعة انجاز بحث ما بشكل فردي يشعر معه الطالب بالتميز.
دبي - فادية هاني