اعتاد طلبة الثانوية العامة الخروج إلى البر قبل موعد ابتداء الامتحانات بشهر، وذلك لمذاكرة الدروس في أحضان الطبيعة حيث الجو الهادئ والذي يساعد على الاستيعاب وتخزين ما يتم حفظه في الذاكرة.

وفي ذلك الصيف كنا نحمل كتبنا مع شروق الشمس شأننا شأن غيرنا من الطلبة ونختار المشي بين الأشجار أثناء المذاكرة.

وكان عبد العزيز يحرص على الذهاب معنا يوميا ويتجنب مشاركتنا في اللهو، فهو لا يريد أن يضيع الفرصة للحصول على معدل عال يؤهله للفوز بمنحة للدخول إلى الجامعة، لذلك كان يفضل البقاء وحده بعد أن نغادر كلنا المكان عائدين إلى بيوتنا.

وروى لنا عبد العزيز ما حدث معه في ظهيرة أحد الأيام، فقال: إن المكان بدأ يخلو رويدا رويدا من الناس، إذ عاد الرعاة بأغنامهم إلى حظائرها، وترك المزارعون حقولهم وآثروا العودة إلى بيوتهم بعد أن اشتدت حرارة الشمس.

فنظرت حولي فلم أجد أحدا غيري، فصعدت إلى قمة الجبل لعل الجو هناك يكون ابرد قليلا، ومن بعيد رأيت خيالا يتحرك ويتجه نحو المكان الذي امشي فيه، وعندما اقترب أكثر بدأت الملامح تتضح وتشير إلى أنها امرأة، فقلت ما الذي يدفعها للسير في هذا المكان لوحدها.

وفي الحقيقة بدأ الشيطان يلعب بعقلي، واعتبرتها صيدا سهلا ولن تجد من يغيثها إذا ما حاولت طلب النجدة، فعقدت العزم على النيل منها، ولكن المفاجأة التي عقدت لساني أنها لما اقتربت مني فإذا بي أمام عجوز بدوية ناهزت السبعين من عمرها وتحمل على رأسها بعض أشيائها.

فبادرتني بطرح السلام قائلة: لعلك يا بني عطشانا وتريد بعض الماء، فكأنها سكبت ما معها من ماء على وجهي فتحول لونه إلى الأصفر وطأطأت الرأس خجلا من نفسي، فكيف اضمر لها السوء وهي تريد الخير لي وتعرض إرواء عطشي؟

فشكرتها وهرولت عائدا إلى البيت مؤنبا نفسي على ما نويت عليه ومستغربا في الوقت نفسه السبب الذي حرك نوازع الشر لدي، فانا لست كذلك ولم أفكر يوما في ارتكاب الخطيئة حتى أن أصحابي يصفونني بالخجول، إذ لم أكن أجاريهم في أحاديثهم عن مغامراتهم، فصممت على الخروج من هذا الموقف بأسلم الطرق.

عند وصولي إلى البيت توجهت مباشرة إلى غرفة والدي ودون مقدمات أو تمهيد قلت له يا أبي أنا أريد الزواج، فتبسم وحاول الاستفسار عن السبب الذي جعلني أفكر في الزواج بدل الانشغال في الدراسة.

ولم استطع أن اخبره بحقيقة ما حدث معي قبل ساعة، ولكنني قلت له إن في الزواج عصمة من الوقوع في الزلل وتحصين لنفسي من مجرد التفكير فيما يخدش الحياء.

وكان لي ما أردت فخلال أسبوع أصبحت عريسا، وما سرني وسر أهلي كثيرا بعد ذلك أن اسمي كان من بين العشرة الأوائل في امتحان الثانوية العامة.

موسى أبو عيد