اليوم وبعد سنوات طويلة من الانقطاع رأيت صديقة الطفولة، وتألمت جداً لحالها، فقد كانت من أجمل فتيات القرية، التي انقطعت عنها بعد زواجي وسفري لثلاثة عقود، فقدت فيها هويتي ولم يعد بإمكاني العودة للوطن. وبعد عودتي قبل عشر سنوات، أقمت في المدينة ولم أذهب إلى قريتي بعد وفاة والديّ، وسفر إخوتي وأخواتي، لكنني التقيتها اليوم في مناسبة تخص أحد أقربائي.

لم يكن يفصل بيتها عن بيتنا سوى سلسلة حجرية متهدمة، نجتازها بدل الالتفاف حول البيت والدخول من البوابة، عشنا نفس الظروف في قرية معزولة لا ماء فيها ولا كهرباء، دخلنا المدرسة سويةً، واجتزنا الصفوف معاً، حتى وصلنا الصف السادس، وكان آخر صف في المدرسة، أنا ذهبت إلى المدينة لاستكمال دراستي، بينما رفض والدها إرسالها، فاكتفت بالسادس.

كنت كلما عدت يوم الخميس إلى القرية أجدها في انتظاري، تسألني عن المدينة والمدرسة، وتطلب مني أن أحضر لها كتباً لتستمر في القراءة كي لا تنسى.

كانت تحب الروايات وخاصة روايات محمد عبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس، وكانت تتقمص دور البطلة في كل القصص، وعندما نلتقي كانت تحكي لي القصة بتفاصيلها، تفرح وتحزن وتغضب لما آل إليها مصير البطلة، ولم تكن تعلم أنها هي نفسها ستصبح بطلة قصة مؤلمة لن يكتب فصولها أحد.

كان اسمها سهام، وكانت شقراء طويلة شعرها أشقر وأملس ومتهدل، لكنها كانت مجبرة على ربطه كذيل الفرس، أو تجديله جديلة سميكة تتراقص على ظهرها كلما ركضت، فمن العيب أن تفرد الفتاة شعرها على كتفيها.

حين أصبح عمرها خمسة عشر عاماً، بدأ الخطاب يتوافدون، إلا أن والدها كان يرفضهم ويقول: ابنتي مخطوبة، ولم تكن تعرف من هو خطيبها، خاصة أن لا أحد من أبناء عمها قد تقدم لخطبتها.

كان والدها قد اتفق مع اثنين من إخوته كل على حدة، بأنه سيعطي ابنته لأحد أبنائهما، وكان في قرارة نفسه يأمل بأن يقوم ابن أخيه المغترب بخطبتها، إلا أن الأخبار تواردت بأن ابن أخيه تزوج بامرأة أخرى، ففقد الأمل، ولم يبق أمامه سوى أبن أخيه الثاني.

ابن أخيه كان وحيد أمه مع ثلاث بنات، فدللته حتى أفسدته. لم ينجح في اجتياز الصف السادس الابتدائي وكان يرفع تلقائياً، فخرج منه كما دخل، لا يعرف من القراءة والكتابة شيء.

كان ضئيل الجسم وعاطل عن العمل ويكبرها بعامين. عندما تقدم لخطبتها وافق والدها فورا، فجن جنونها ورفضت، وهددت بالانتحار، توسلت وبكت، ولم تترك حيلة بما فيها الاضراب عن الطعام إلا استخدمتها، ولم يجد ذلك نفعاً، وكان جوابهم دوماً «ابن عمك أولى من الغريب».

يوم زفافها بكت بحرقة من القهر. ثم قيل انها هددت بحرق نفسها إذا اقترب منها، لكنها بعد ذلك استسلمت وبدأت في إنجاب الأبناء حتى أصبحوا عشرة.

هي اليوم تبدو كمن تجاوزت السبعين.. تمشي محنية الظهر، ابيض شعرها بالكامل، تعاني الأمراض المزمنة، وما زالت تقول: امقته ولا أطيقه، ولو كان بيدي لتطلقت.

سهام