عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» صدق رسول الله، رواه الإمام مسلم في صحيحه في باب يدخل الجنة أقوام.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».
إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله الجنة، ولا يدخل الجنة إلا من أخلص قلبه لله وسار على منهج الله وسنة الرسول العظيم، «وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين».
الجنة دار النعيم المقيم من الناس من يرى الله عز وجل فيها بكرة وعشيا ومنهم من يراه كل شهر، ومنهم من يراه كل عام، كل على درجة العمل وهناك ليس أيام ولا ليالٍ ولا سنين إنما للتقريب أي لتقريب الصورة فالناس يقدرون اليوم وكذلك الشهر والسنة.
الجنة هي دار الخلود، يا أهل الجنة خلود بلا موت، يا أهل النار خلود بلا موت، فمن رزق الجنة فقد رزق كل شيء، ومن حُرم الجنة فهو المحروم الذي حُرم من كل شيء، اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وفعل وباعد بيننا وبين النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
تعال معي ننظر نظرة بلاغية في هذا الهدي الشريف، لم يذكر وجه الشبه فلم يحصره في جانب واحد، وهكذا تتعدد الإيحاءات وهذا ما تلمسه في شرح الأحاديث مثل أفئدة الطير في رقتها ولينها، كما في خبر أهل اليمين أرق أفئدة أي أنها لا تحمل أشغال الدنيا فلا يسعها الشيء وضده كالدنيا والآخرة، أو في التوكل كقلوب الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً وفي الهيبة والرهبة لأن الطبع أفزع شيء وأشد الحيوان خوفاً لا يطيق حبساً.
وثمة شيء آخر هو ضآلة هذه القلوب عند الطيور مما يفيد تواضع المؤمن أمام خالقه، فهي ضعيفة تكاد لا ترى لكونها صورة بعيدة كما أن هذه الصورة داخلية تدعو إلى التأمل في باطن الطيور لفهم رهافة الشعور العالية عند المؤمنين الخاشعين، مما جعلهم يطلقون بحرية في جنات النعيم في حركة آخذة في الامتداد في الفضاء الواسع الذي يثير هنا مشاعر الراحة والانبساط خصوصاً أن إطار هذا المشهد غير محدود لكونه مفهوماً غيبياً.
والملاحظ أن ذكر الطيور والحيوانات في الحديث النبوي لم يقصد لذاته في التأثير الوجداني الفني، فليس ثمة مدح للناقة كما في الشعر بل استعين بها مثلاً في إبراز جمال التصوير. وانتزعت من الحيوان الصفات المناسبة لماهية الفكرة المجسمة وهذا يختلف عن الشعر الذي يهب فيه الشاعر في وصف ناقته أو فرسه مستجدياً عطف ممدوحه.
ويمكن أن نقول إن صور الطيور والحيوانات في الحديث النبوي متنوعة بين كبيرة وصغيرة وأليفة ومتوحشة، وهي تمتلك قدرة رمزية مستمرة فالخيل ترمز إلى قدرة الأمة وحيويتها وبهذا لا تبطل الصورة عناصر إقليمية أو زمنية، بل هي تعمِّق البعد الإنساني العام والملاحظ أيضاً عدم تلاحم طرفي الصورة واضح في استخدام الحيوان إذ جاءت بوسيلة بلاغية واحدة هي التشبيه وثمة سببان لهذا، السبب الأول ديني هو عدم الخلط بين ماهيتي الإنسان والحيوان والاكتفاء بأوجه تقارب من خلال جزيئات بارزة.
فيكرم الإنسان ويبتعد عن الخلط والسبب الثاني فني إذ تطلب الفكرة هذا القدر من المشابهة أو ذاك، فجاءت الصور كلها في حالة تشبيه واضح الأركان لتكون الأداة فاصلة بين عالمين تمنعهما من الامتزاج.
د. عثمان الغزالي