المؤمن الحق هو من يتفهم جيداً معنى اسم الله الوكيل ويحفر له في قلبه مكاناً لا يفارقه أبدا، لأن فيه سكينته وراحته وهدايته، فهو الاسم الذي يلقي ظلاله على العقل فيمنحه رشده ويوفقه عند حده، ويمنعه من التمادي في التفكير الجارف في يومه وفي غده ويحول بينه وبين عواصف الهم والغم والحزن.
وينحي عنه أشباح الهواجس النفسية، والوساوس الشيطانية، ويجعله قادراً على تلمس المخارج من الضيق، ويتخذ سبيله نحو مأمن يلجأ إليه ويستريح فيه من عناء الفكر المتواصل في أمور دبرها له خالقه ومولاه قبل إن يخلق السماوات والأرض.
إن إحساس المؤمن بأن الله عز وجل قد تكفل بتدبير أمره يجعله قادراً على التكيف مع الظروف التي يعيش فيها من غير جزع أو هلع ويدفعه إلى مواجهة الحياة بخيرها وشرها بعزم صادق لا يعرف اليأس وهمه عالية لا يعتريها خلل أو ملل فالله هو الوكيل الذي بيده مقاليد السموات والأرض،
وإليه يرجع الخير كله يدبر شؤون خلقه بحكمته ويصرف أمور عباده بمشيئته ليس لأحد معه إرادة ولا خيرة.
{ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله تعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون }.
فإذا علم العبد أنه لا خيرة له في الأمر ولا إرادة له مع الله عز وجل وأنه سبحانه هو العليم بما يصلح شؤون خلقه المحمود في فعاله، الحكم العدل بين عباده? لا يسعه إلا التسليم والرضا بقضائه وقدره. والتسليم والرضا بالقضاء والقدر من أركان الإسلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه.
ومثل هذا الشعور يريح من عناء كثير ويزيح هموماً ثقيلة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سعادة ابن آدم: رضاه بما قضى الله له ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له «
والرضا بالقضاء والقدر هو التوكل في أعلى درجاته وأرقى معانيه.
وقد عرفه العلماء بتعريف يكشف عن حقيقته فقالوا: هو الاعتماد على الله والثقة بفضله مع مباشرة الأسباب واتخاذ ما يلزم اتخاذه من الوسائل في درء المفاسد وجلب المنافع.
فالأخذ بالأسباب لا يتنافى مع الإيمان بالقدر، بل هو من صميمه، لأن الله في خلقه سننا ينبغي أن تراعى وتتبع وإلا تعطلت الشريعة الغراء تعطيلاً تاماً وسددت أمام تطبيقها الأبواب.
إننا يجب أن نعرف أننا مأمورون بتحصيل الأسباب ولسنا مكلفين بتحصيل المطالب، وأن لنا إرادة حرة لا تخرج عن نطاق القدر، لابد أن نسخرها بقدر طاقتنا فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وفق علمنا القاصر ونظرنا المحدود، بحيث لو أخطأنا لا نلوم القدر ولكن نلوم أنفسنا فإن الاعتذار بالقدر عند وقوع الخطأ جهل بالعقيدة والشريعة وسنن الله الكونية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس- العقل فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» أي: إن العقل يستطيع بإرادة الله تعالى أن يفكر ويدبر ويتخذ القرار الحاسم فيما ينبغي فعله وما ينبغي تحاشيه فإذا جاء تدبيره على غير ما كان يتوقع، وجب عليه أن يستسلم للقدر ويعلم أن الخير فيما اختاره الله له لا فيما اختاره لنفسه.
رجاء علي