قال الشيخ: يقول الإمام الغزالي، رحمه الله، للتوحيد لبان وقشران كاللوز، فالقشرة العليا القول باللسان المجرد والثانية الاعتقاد بالقلب جازما، واللب أن ينكشف بنور الله سر التوحيد بأن يرى الأشياء الكثيرة صادرة عن فاعل واحد ويعرف سلسلة الأسباب مرتبطة بمسبباتها ولب اللب في الوجود أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ويستغرق في الواحد الحق غير متلفت لغيره.
وهذا يعني أن (التوحيد) قول، واعتقاد، ويقين، ثم نور يصبه الله في القلب بحيث لا يرى في الأشياء والظواهر والأفعال إلا آثار خلق الله وحكمته وتقديره وتصريفه لشؤون خلقه، ومعنى أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ويستغرق في الواحد الحق أنه لا يرى إلا الحق وأفعاله وإن ظهرت هذه الأخيرة على أيدي الخلق، فالله عز وجل هو المعطي المانع والخافض الرافع والمعز المذل والمؤمن المهيمن.
قوة ايمانية
من هنا يكتسب المؤمن الموحد بقلبه السليم قوة ومناعة إيمانية عجيبة حيث إنه لا يرى إلا الله ولا يتعامل إلا معه ولا يخشى غيره، وإن كانت الشريعة قد طلبت منه أن يأخذ بالأسباب فإنه يلتزم بها ويراعيها، ولكن بصره وقلبه يبقيان مشدودين باتجاه الحق سبحانه وتعالى.
وخير مثال على ما نقول ما فعله الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في هجرته الشريفة إلى المدينة المنورة حيث أخذ بالأسباب من حيث إبقاء سيدنا علي كرم الله وجهه في سريره إيهاما للمشركين وخروجه مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه باتجاه يخالف اتجاه المدينة المنورة واختباؤه معه في غار ثور لثلاثة أيام حتى يخفي الطلب وتوكيله لأحد رعاة الغنم بالسير خلفه لإخفاء الأثر.
كل هذا فعله الرسول الأعظم وهو الموحد الأول والعارف بالله الأول، ومع ذلك عندما اجتمع المشركون على باب غار ثور وقال أبو بكر رضي الله عنه إن نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا، كان الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام لا يرى غير الله فقال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا.
وللتوحيد مراتب كما ذكر العلماء، فالمرتبة الأولى إن علم بالاستدلال أو التقليد القائم على مجرد تصديق المخبر الصادق وسلم قلبه من الحيرة أو الشبهة أو الريب، ان الله متفرد بوصف الألوهية متوحد باستحقاقه العبودية وهي أدنى المراتب. والمرتبة الثانية: أن يصير العبد بخروجه عن غشاوة صفات نفسه.
وخلاصه من سجن ظلمات طبعه مشاهدا لأنوار عظمة الجبار ولهان تحت سبحات سطوات الأنوار فيعرف أن الموجد الحق والمؤثر المطلق هو الله تعالى وإن كل صفة من علم وإرادة وقدرة وسمع وبصر عكس من أنوار صفاته وأثر من آثار أفعاله مع إثبات الخالقية والقدم لله عز وجل وحده.
المرتبة الثالثة
والمرتبة الثالثة: أن يصير التوحيد وصفا لازما لذات الموحد بتلاشي ظلمات رسوم وجود الغير إلا قليلا في غلبة إشراق أنوار التوحيد، واستتار نور حاله كاستتار نور الكواكب في نور الشمس، وفيه قال الجنيد رحمه الله (التوحيد معنى تضمحل فيه الرسوم، وتندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل).
والمرتبة الرابعة هي الاعتقاد والحضور مع الله تعالى كما كان في الأزل موصوفا بالوحدانية في الذات والأحدية في الصفات، كان ولم يكن معه شيء، والآن كما كان، وفيه قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }، ولم يقل يهلك لأن عزة وحدانيته لم تدع لغيره وجودا.
وهنا لابد من التأكيد على أن هذا الارتقاء في سلم التوحيد والوصول فيه إلى أعلى المراتب لا ينفي صفة الخلق عن الحق سبحانه وتعالى، وصفة الحدوث لكل ما عداه، ولا يعني انمحاء الوجود الآخر إلا في القلب، على اعتبار أن الكون كله ما هو إلا آثار أفعال الحق سبحانه وتعالى وصفاته، وقد ضل كثيرون عندما اعتقدوا بانمحاء الوجود الآخر (المخلوق) أمام واجب الوجود في الظاهر وهو ما سمي بوحدة الوجود.
إن كل ما سوى الحق سبحانه وتعالى موجود على الحقيقة بالخالقية، ولكنه أقرب الى العدم لأن وجوده ليس ذاتيا وإنما يفتقر بإيجاده الى واجب الوجود سبحانه وتعالى وهذا هو التوحيد الحق.
ماهر سقا أميني
