يطل علينا الثاني عشر من ربيع الأول وهو مولد سيد الخلق محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي صلى الله عليه وسلم ، ويحتفل العالم الإسلامي بهذه المناسبة العظيمة وهي يوم مولده.

ودولة الإمارات العربية المتحدة تحتفل به على المستوى الرسمي والشعبي، حيث يقام هذا الاحتفال بواسطة وزارة الإعلام والثقافة سابقاً والآن بواسطة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وقد تعلمنا الكثير من هذا المجتمع الإيماني الطيب والذي يبرز مكانة خير البشر وسيرته العطرة. ففي مجتمع الخليج ومجتمع الإمارات خاصة يقوم الآباء والأجداد وإلى يومنا هذا بإحياء هذه الذكرى الطيبة بإقامة المولد وقراءة البرزنجي وهي طريقة من طرق الموالد تحكي قصة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم. والبرزنجي نسبة إلى مؤلفها جعفر البرزنجي المدني والذي ولد سنة 1690 ميلادية حيث كان خطيباً في الحرم النبوي الشريف.

مدائح نبوية... وهناك دول وشعوب إسلامية تحتفل بطرق تختلف عن الأخرى ففي مصر يستعد لها قبل شهر وتستمر حوالي شهر وتقام السرادق والموالد والخطب والأناشيد والمدائح النبوية وتوزع الحلويات وأنواع الشراب الذي يعد خصيصاً لهذه المناسبة الكريمة. محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم هو النبي والرسول إلى الإنسانية كافة «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون» سورة سبأ 28. ولقد صنف الكثير في كتبهم أعظم الشخصيات الإنسانية القديمة والحديثة مثل أرسطو، وشكسبير وبوذا، ونابليون وطاغور وغاندي وعلى رأسهم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، هذا التصنيف لهم أي لغير المسلمين، ونحن كمسلمين لا نقبل هذا التصنيف فكيف يقارن محمد بن عبدالله رسول رب العالمين بأشخاص عاديين!

رسول يأتيه الوحي من السماء بواسطة جبريل الأمين بأن يقارن بقائد أو مخترع شيء ما في العلم والمعرفة..

هذا النبي العربي ولد في مكة المكرمة.. البلد الحرام وعلى بضع خطوات من البيت الحرام أول بيت وضع للناس على هذه الأرض، ومولده صلى الله عليه وسلم هو مولد الإنسانية حملته في ضميرها وغذته بمجاجة وجدانها وعصارة عقلها وتنقلت به عبر الأجيال والأزمان.

أي نفحٍ من ذري الخلد تردد

جاء والكون ظلام دامس

إن هذا منبع النور فقم

أي نور قشع الظلم وبدد

ولسان الشر قد أرغى وأزيد

نقبس الأضواء من نور محمد

ولو جمعت القصائد في مدح الرسول صلوات الله عليه وسلم منذ ولادته وحتى يومنا هذا نجد أن أكبر الموسوعات لم ولن تستطع أن تحتويها وقد نقتبس من قصيدة طالما تعرض لها النقاد ما احتوته من فضائل رسول الله وسيرته صلواته وسلامه عليه.

قصيدة البصيري

هي قصيدة البصيري والتي تسمى بالبردة لقائلها: شرف الدين أبو عبدالله محمد بن سعيد بن محسن بن عبدالله الصناجي البوصيري وهو من قبيلة صنهاجه بالمغرب، ولد في بلدة تسمى «بوصير» بالريف المصري سنة 608 هجرية 1212 ميلادية.

وقصيدة البردة هي ايقونة القصائد في مدح الرسول صلوات الله وسلامه عليه وقد عبر الشاعر في مئة وستين بيتاً واتخذ «الـ م قافية لهذه القصيدة»، وهي من البحر «البسيط» وسنقتطف بعض الأبيات من هذه القصيدة التي تردد في كل مولد وفي كل مناسبة في مدح الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

أمن تذكر جيران بذي سلم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة

مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

وأومض البرق في الظلماء من إضم

ذي سلم موضع في الحجاز ناحية المدينة المنورة وأيضاً كاظمة وأضم أيضاً موضعان قرب المدينة المنورة، نستعرض بعض الأبيات التي هي تبرز مناقب الرسول وفضله على جميع البشر والرسل ومنزلته عند الباري عز وجل.

محمد سيد الكونين والثقلين

والفريقين من عربٍ ومن عجم

نبينا الآمر الناهي فلا أحد

أبر في قول لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته

لكل هول من الأهوال مقتحم

هو رسول ونبي للإنس والجن وهو الشفيع يوم القيامة وخاصة «يوم المحشر» الذي كل نفس تقول نفسي وحتى الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه.

فاق النبيين في خلق وفي خلق

وكلهم من رسول الله ملتمسي

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنه شمس فضل هم كواكبها

أكرم بخلق نبي زانه خلق

سريت من حرم ليلاً إلى حرم

وبت ترقى إلى أن نلت منزلة

ولم يدانوه في علمٍ ولا كرمِ

غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

وأنه خير خلق الله كلهم

فإنما اتصلت من نوره بهم

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كما سرى البدر في داج من الظلم

من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم

ولقد أسرى بك الله من البيت الحرام بمكة المكرمة إلى الحرم القدسي بالقدس كانك بدر في ليلة شديدة السواد والظلام.

وقدمتك جميع الأنبياء بها

وأنت تخترق السبع الطباق بهم

كم جدلت كلمات الله من جدل

كفاك بالعلم في الأمي معجزة

والرسل تقديم مخدوم على خدم

في موكب كنت فيه صاحب العلم

فيه وكم خصم البرهان من خصم

في الجاهلية والتأديب في اليتم

محمد صلى الله عليه وسلم «يصفه الله بالأمي» والأمي هنا شرف ما بعده شرف أي لا يوجد في جوفه أي علم سابق من علوم وإنما العلم في جوفه كله من عند الله، وما عند الله من علم لا يتساوى مع أي علم من علوم البشر. يا أكرم الرسل مالي من الوذ به

سواك عند حلول الحادث العمم

وهنا نرى هذا البيت هو شرح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث الشفاعة الكبرى». حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا محمد بن عبيد حدثنا أبو حيان عن أبي زرعه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفع إليه الذراع ـ وكانت تعجبه ـ فنهس منها نهسة وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة.

هل تدرون بمن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس: أبوكم آدم: فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟

فيقول: ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيت. نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً. ما ترى إلى ما نحن فيه؟

ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله. نفسي.. نفسي، ائتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيأتون. فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطه. ورد في صحيح البخاري «رقم 3340».

علم اللوح والقلم

فإن من وجودك الدنيا وضرتها.. ومن علومك علم اللوح والقلم لنرى ما قال شوقي في نفس المعنى في قصيدة «نهج البردة» والتي قد يطول الحديث عنها لما فيها من حكم ومعاني وفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تزيد عن البردة حوالي «30 بيتاً» وأن كانت بعض الأبيات تتشابه في المعنى:

خططت للدين والدنيا علومهما

يا قارئ اللوح بل بالأمس والقلم

وها نحن المسلمين أتباع رسول العالمين نستقبل مولده العظيم كما يستقبل التائه في الصحراء وجه الدليل.. وأن نولد جديداً في الحياة، على سنا أضواء هذا الميلاد العظيم. فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله «يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا».

د. احمد الهاشمي