أجمع وزراء ومسؤولو التعليم والخبراء في دول مجلس التعاون الخليجي على حاجة التعليم الخاص إلى مزيد من التعديل والتغيير في الشكل النمطي لمفهوم الثانوية، ومؤكدين على أن الإطلاع على أفضل التجارب العالمية في التعليم الثانوي يساهم في خروج الثانوية من إطار الشكل التقليدي المتعارف عليه، واعتبر الخبراء والمسؤولون أن التعليم الثانوي يعتبر الحلقة الأضعف عند الحديث عن مراحل التعليم ومتطلباته.
وتحدث المسؤولون والخبراء عن دور التعليم وأهميته في صياغة الأجيال وذلك خلال الندوة التي نظمتها وزارة التربية والتعليم أمس بالتعاون مع مكتب التربية العربي لدول الخليج حول(التعليم الثانوي الواقع والاتجاهات الجديدة) على هامش منتدى التعليم العالمي الذي انطلقت فعالياته صباح أمس. وألقت الندوة الضوء على كيفية تطوير التعليم الثانوي بما أنه مرحلة مؤهلة للجامعة وترسم وتخطط ملامح مستقبل الطلبة. وأكد معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم على أهمية انطلاق عمليات تطوير التعليم من المفهوم الشامل، والتركيز على مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي معاً، للوصول إلى تجربة ناجحة، يمكن الاستفادة منها خليجياً وعربياً. وقال: «نحن على ثقة من أن بلداننا الخليجية لديها من التجارب الثرية التي يمكن أن نستعين بها لتعزيز جهود التطوير لدينا».
وأضاف معاليه أن التعليم هو السبيل القويم لعلاج كثير من القضايا والمشكلات العالقة، وتعول عليه المؤسسات التربوية المسؤولة من وزارات وهيئات، في إيجاد منظومة تعليمية أكثر تطوراً، تكفل إعداد الأجيال وتأهيلها وفق أرقى المستويات العلمية والمعرفية الحديثة، وتسهم في تنشئتها التنشئة الصالحة، المستندة إلى هويتنا وقيمنا العربية والإسلامية.
تحديات العصر
وأكد أن انطلاق المجتمع العربي في شتى مجالات التقدم، واعتماده التنافسية العالمية مبدأ لإنجاز المشروعات التنموية، زاد بلا شك من حدة مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، و«وضعنا وجهاً لوجه أمام إفرازات العولمة وآثارها، في الوقت الذي يرى المجتمع والمراقبون أن تلك الآثار بما فيها من إيجابيات وسلبيات لا يمكن تجنبها أو تجاوزها».
وأوضح أن النظم التعليمية عليها أن تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية مواجهة تحديات العصر ومستجداته، و قال إن على وزارات التربية والتعليم أن تقوم بدورها للحد من المشكلات والقضايا ذات الطبيعة الخاصة التي تعاني منها بلداننا، بدءاً من الخلل في التركيبة السكانية ومروراً بإشكاليات سوق العمل والبطالة، إلى غير ذلك من مشكلات يتصل بعضها بالانفتاح الإعلامي والمعرفي والتقنيات الحديثة، في حين يرتبط بعضها الآخر بالشأن التعليمي نفسه، وفي مقدمته ضعف مخرجات التعليم الثانوي، وما يتعلق بهذا الضعف من فجوة بين التعليم العام والعالي.
الاتجاه الصحيح
وأشار إلى أن التعليم على مستوى الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي شهد خلال السنوات الطويلة الماضية مراحل تطوير مختلفة، ارتبطت أعمال التحديث فيها بمقتضيات كل مرحلة ومتطلباتها، غير أنه ومع تزايد الانفتاح وأخذ بلداننا بأسباب التقدم، وتحقيق مجتمعاتنا إنجازات متواصلة على الصعد كافة، أصبح لزاماً على وزارات التربية تغيير سياساتها التعليمية وأهدافها الاستراتيجية، الخاصة بإعداد وتنشئة الأجيال، ووضع ما يمكّنها من ترسيخ قيم الولاء والانتماء في نفوس الطلبة، وتأهيلهم لقيادة مسيرة التنمية والإنجاز في بلادهم باقتدار.
ونوه معاليه إلى الدور الكبير والمميز الذي قامت به وزارات التربية لتطوير مسيرة التعليم خلال مراحل متعاقبة، وما أنجزه مكتب التربية العربي على هذا الصعيد، منذ تأسيسه قبل ثلاثين عاماً، يستحق منا كل التقدير، ويجعلنا على ثقة من أننا لم نبدأ من الصفر، وأننا نسير في الاتجاه الصحيح.
وقال: «نحن نمتلك الكثير من التجارب الناجحة، ونمتلك الرؤية المشتركة التي تجسد تطلعات بلادنا نحو توفير تعليم أفضل لأبنائنا، وقبل ذلك لدينا إرادة سياسية ورغبة شعبية في التغيير والإصلاح والتطوير، يرعاها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون».
و أضاف أن مكتب التربية العربي لدول الخليج له دور مميز ورائد في إعداد البحوث والدراسات التي شخصت حالة هذه المرحلة المهمة من التعليم، مشيراً إلى أن المجتمع مطالب بوضع النقاط على الحروف في ما يتصل بمستقبل الطلبة، ومناقشة الواقع والاتجاهات الحديثة للتطوير بعمق، وبقدر ينسجم مع الخطط التنموية الطموحة واحتياجات المجتمع ومتطلبات سوق العمل، وهذه هي مسؤوليتنا الوطنية والدستورية التي نشرف بحملها.
وأكد أن الطموح وراء عمليات التطوير الشامل والتي نركز فيها على مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي معاً، للوصول إلى تجربة ناجحة لتطوير التعليم، يمكن الاستفادة منها خليجياً وعربياً، ولاشك أن بلداننا الخليجية لديها من التجارب الثرية التي يمكن أن نستعين بها لتعزيز جهود التطوير لدينا.
وأضاف أنه إذا كانت البداية اليوم مع المرحلة الثانوية التي نبحث قضاياها وتحدياتها، فإننا ندرك أن توفر الإرادة السياسية والرغبة في التحديث والعمل الجاد، هي مقومات نجاح أساسية نمتلكها، وأنه بمقدورنا بإذن الله، تقديم نموذج مميز لتطوير التعليم في المنطقة.
الحلقة الأضعف
ومن جانبه أكد الدكتور على القرني مدير مكتب التربية العربي لدول الخليج أن التعليم الثانوي هو مفصل مسيرة المتعلمين والحلقة الأوسع جدلاً، ويطيب لمكتب التربية العربي لدول الخليج أن يطرح على بساط البحث موضوع التعليم الثانوي، الذي يمثل المرحلة الأخيرة من التعليم العام، والذي يسبق التعليم العالي، أو يأتي قبل الولوج إلى سوق العمل، ومعترك الحياة، على اعتبار أننا هنا بصدد السنوات الأخيرة من التعليم العام.
وأكد على أن التعليم الثانوي الحلقة الأضعف عند الحديث عن مراحل التعليم ومتطلباته، وعن دوره في صياغة الأجيال، فهو الملوم إن ضعفت مخرجات التعليم العام، وهو الذي يفترض فيه أن يجمع بين مقتضيات التربية العامة، ومتطلبات التعليم المتخصص، ولذا كان هذا التعليم محل تجارب، وموطن تجريب، ذهب به مذاهب شتى، كي ينهل من كل جديد وعصري، ويعود بحصيلة التجارب العالمية الناجحة المتتالية في ميادين مختلفة المشارب والوسائل.
وأشار إلى أن الندوة تأتي من أجل العمل على تطوير التعليم الثانوي، وربط أهدافه العامة بقدرات الطلبة واهتماماتهم وتطلعاتهم، وحاجات مجتمعاتهم، والتحديات التي يواجهونها في عالم سريع التغيّر، لا ينتظر المبطئين.
و قال إن الثانوية العامة تعد جزءا مهما لتحديد مصير الطلبة ولها مجموعة من المكتسبات المعرفية والفكرية والعاطفية والمهارية، ولذ أينبغي أن تتوفر له شروطه الأساسية، التي تضمن له النجاح، والمتمثلة في نضجه، ووضوح دافعه، وتوفر التدريب والتطبيق فيه.
وقدم صوما بوجوده، من مركز تعليم العلوم والرياضيات بالجامعة الأميركية في بيروت ورقة عمل حول النظم التربوية المطلوبة لإعداد طلاب المدارس الثانوية للقرن الحادي والعشرين.
وأوضح من خلالها أن هناك اتفاقال عاما وشبه إجماعٍ على أن التعليم في الدول العربية بحاجة إلى تحسين، وقد ذكر في تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 والصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تدهور نوعية التعليم في الدول العربية، مما يعني انخفاضاً في اكتساب المعرفة ومهارات التحليل والإبداع.
و أضاف أن البنك الدولي عام 2007 أكد على الاستنتاجات الواردة في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يرى أن نوعية التعليم في الدول العربية متخلّفة عن مناطق أخرى من العالم، لافتاً إلى أن مرحلة التعليم الثانوي تحتاج إلى إصلاح عاجل إذا أردنا إعداد الطلاب للحياة ولسوق العمل في القرن الحادي والعشرين.
وأوضح أن مجموعة متنوعة من التقارير التعليمية الدولية والإقليمية عن حالة التعليم في الدول العربية تؤكد أن فرص الحصول على التعليم قد تحسنت كثيراً في العقود القليلة الماضية في هذه البلدان، علاوة على ذلك تضيف هذه التقارير أنّ هناك محاولات جادة لإصلاح التعليم الثانوي في العديد من الدول العربية، بالرغم من عدم ظهور آثار هذه المحاولات الإصلاحية حتى الآن.
و قال إن مرحلة التعليم الثانوي هي نقطة انطلاق مهمة سواء في العمل أو التعليم العالي، وأصبح من المهم زيادة فرص الحصول على التعليم الجيد لجميع الطلاب في هذه المرحلة، مما سينعكس على نوعية الحياة التي سيعيشها هؤلاء الطلاب في المستقبل، فضلاً عن الرفاه الاقتصادي والثقافي للمجتمع ككل.
و أضاف أن الغرض من هذه الورقة هو توصيف وتحليل واقع النظم التعليمية الثانوية في عدد من البلدان المتقدمة، فضلا عن نظام البكالوريا الدولية، جنباً إلى جنب مع متطلباتها، من أجل استخلاص الدروس المستفادة التي قد تؤدي إلى تحسين التعليم الثانوي في الدول العربية.
وسوف يتم تحليل هذه النظم من حيث الكفاءات اللازمة للعيش والعمل في القرن الحادي والعشرين على النحو الذي حدّدته «منظمة الشراكة من أجل مهارات القرن الحادي والعشرين»، و«منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي»، ومن ثمّ تحديد النظام التربوي الأكثر قدرة على إعداد الطلاب للعمل والعيش بنجاح في هذا القرن.
وعن واقع التعليم الثانوي في دول الخليج العربية قدم الدكتور سعيد بن سليم الكيتاني تحليلا نقديا، مشيراً إلى أن واقع التعليم الثانوي في الدول الأعضاء بمكتب التربية العربي لدول الخليج متشابه وهي الدول الست في مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى الجمهورية اليمنية، وهي الدول التي تتكون منها شبه الجزيرة العربية والتي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا.
حيث يجمع هذه الدول تاريخ مشترك وخصائص جغرافية متشابهة وسمات سكانية واقتصادية متقاربة إلى حد بعيد بحكم الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة عموماً في العصور الوسيطة والحديثة.
وقال إنه وبحكم كونها جزءاً من المنطقة العربية، مرت أنظمة التعليم النظامي الحديث في الدول السبع بالمراحل ذاتها التي مرت بها كافة الدول العربية خلال القرن المنصرم، مع تباين واضح في الفترات الزمنية التي استغرقتها تلك المراحل من دولة إلى أخرى لأسباب جغرافية وسياسية، وهذا ينسحب خصوصاً على التعليم ما بعد الأساسي (الثانوي) الذي لا يزال يعدّ حديثاً نسبياً في بعض الدول.
وأضاف أنه وفي ظل السباق الذي لا يزال يشهده العالم لتحديث الأنظمة التعليمية من أجل مواكبة التطورات المتلاحقة في شتى مجالات الحياة، انطلقت هذه الدول في أواسط القرن الماضي من نمط التقسيم التقليدي للتعليم ما بعد الأساسي «الثانوي»-الذي لا تزال بعضها تلتزم به حتى هذه اللحظة- إلى استحداث نوعيات أخرى من التعليم الثانوي، ومن ثم تبني عدد من أنماط أكثر حداثة مثل نظام المدرسة الثانوية الشاملة ونظام المسارات ونظام المقررات ونظام الساعات المعتمدة وغيرها، ولا تزال مسيرة تطوير التعليم الثانوي مستمرة إلى يومنا هذا.
استعراض تجربة سنغافورة في ربط نظم التعليم بسوق العمل
أكد الخبير التربوي جوبناثان العميد المعاون في مكتب بحوث التعليم السنغافوري في ورقة بحثية أن حكومته أنفقت أكثر من ملياري دولار سنغافوري لإدخال تقنية المعلومات في المناهج، مستعرضاً تجربة بلاده في تطوير التعليم وربط نظمه باقتصاديات الدولة وسوق العمل.
وتناولت الورقة أهمية الاتجاهات والتطورات في التعليم الثانوي مع التركيز بصفة خاصة على الجهود التي تبذلها دولة سنغافورة من أجل إصلاح التعليم الثانوي.
وأوضح جوبناثان أن دولاً كثيرة تطبق مبادرات التعليم الابتدائي الناجحة مثل «التعليم للجميع» وقد أصبحت تعترف بضرورة أن يكون التعليم الثانوي متاحاً ومناسباً للجميع وأن يلبي متطلبات سوق العمل وأصبحت تلك الدول تعمل بمقتضى ذلك.
و قال إن تطوير التعليم الثانوي أمر معقد للغاية، لأننا في حاجة إلى توفير مستوى عال ومدى أوسع من المواد الدراسية، وخاصة أن إعداد المعلمين ينبغي أن يتماشى مع التغيرات في المناهج الدراسية، مع استخدام قدر أكبر وفاعل للتكنولوجيا وتحقيق ارتباط أفضل مع مشاركة المعاهد الثانوية وسوق العمل.
بالإضافة إلى ذلك يجب أن تنسجم الأهداف التعليمية جيداً مع قدرات وتطلعات الشباب الذين دائماً ما يواجهون التحديات في عالم متغير بشكل سريع، وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية أقامت سنغافورة نظاماً تعليمياً قوياً من رياض الأطفال وحتى الثانوي.
و أضاف أن سنغافورة تتميز بالدقة العالية والملاءمة، وتتجه سياستها الرئيسية بالاهتمام بجميع الطلاب والحد الأدنى من المناهج الدراسية ذات الصلة والتي تعطي خيارات أكبر، وتتماشى مع طموحات الطلاب واحتياجات سوق العمل المتغيرة وتخصيص المناهج وتزويد جميع الطلاب بمهارات القرن الحادي والعشرين.
دبي ـ رحاب حلاوة

