الصالة رقم واحد في مبنى «سينماكس». لا يبدو أن أحدا يريد المغادرة. مشاهد الفيلم بطيئة، ثقيلة، والحوارات غامضة، تمر نصف الساعة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة.. تمر الساعتان، والمشاهد التي صورت بالأبيض والاسود لا تزال تتوالى. الجمهور غارق حد الثمالة في فيلم مايكل هانيكه «الشريط الأبيض» المرشح أيضا على لائحة جوائز «الأوسكار». ربما تكون تلك الأخبار «الايجابية» التي شاعت عن الفيلم، في أوروبا والعالم، هي التي دفعت الجمهور للبقاء حتى النهاية.
وربما يكون شيئا آخر، وهو الوعي بأن ذلك الضجر الذي يتملك منك مقصود، تلك الوطأة التي كرخامة تجسم على صدرك، هي من المكونات الدرامية في الفيلم، وغياب الالوان عن فيلم مدته 145 دقيقة، هو اختزال لغيابها عن نفوس مجتمع ألماني كان، قبل الحرب العالمية الأولى وظهور النازية، يتهيأ لهذا الظهور، أو لعله يثبت في تربة البلاد جذور العنصرية، المتجسدة بنازية، ما انفكت السينما الألمانية في السنوات العشر الماضية تطالعنا بسلسلة من الأفلام «التطهرية» التي تسأل، بعد مضي أكثر من ستين سنة، عما جرى وعن الأسباب.
«لا أعرف ما إذا كان كل ما سأحكيه يتطابق مع الحقيقة أم لا. كما أنني لا أتذكر على وجه الدقة أشياء كثيرة»، يفتتح احد الشخصيات، وهو المعلم، الفيلم بهذه العبارة. ومنذ البداية، يضعنا المخرج النمساوي هانيكه، اذاً أمام سؤال الذاكرة: ماذا بوسعنا أن نذكر، ومتى. هل نحن انتقائيون؟ ولماذا نتذكر دوما جرائم النازية، وننسى ما قبلها. تلك الأنظمة الاجتماعية والتربوية في ألمانيا بدايات القرن العشرين، التي أنبتت جيلا من المتعصبين، العدائيين، تجاه الآخر.
لكنه لا يريد ان يذهب إلى الحسم. لا يريد انتقاء آخر، بمعنى «عنصرية» الانتقاء، حين تلغى كل الخيارات الأخرى. هو فقط يريد ان يجادل. أن يطرح فكرة، من دون أن يدعي انه يمتلك الحقيقة الكاملة. لذلك منذ المشهد الأول يغذي المعلم- الراوي شكوك المشاهد ويجعله يتساءل حول صحة ما يراه.
الراوي يعود بالمشاهد إلى عام1913، أي عشية الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد إلى قرية بروتستانتية صغيرة في ولاية مكلنبورغ - فوربومرن، حيث تحدث عدة حوادث غامضة فظيعة تهز القرية، فيتعرض طبيب القرية إلى حادث مدبر يودي بحياة حصانه ويلقي به في المستشفى لأيام طويلة. ثم تموت قروية على نحو غامض، كما يتعرض طفل البارون إلى الضرب، أما ابن القابلة المعاق فيتعرض للتشويه. من فعل هذه الأحداث الشنيعة؟ لا أحد يعرف.
القس (بوركهارد كلاوسنر) يربي أطفاله تربية صارمة تزرع الخوف عميقاً في نفوسهم عن الصور المختلفة للعنف وعن أسباب نشأته يدور فيلم «الشريط الأبيض» للمخرج النمساوي ميشائيل هانيكه Michael Haneke الذي كثيراً ما طرح في أفلامه قضايا مشابهة. في «الشريط الأبيض» يطرح هانيكه تلك القضايا عبر ثلاث شخصيات رئيسية، هي شخصية البارون والطبيب والقس.
البارون يعامل العاملين لديه معاملة ظالمة، والطبيب يعالج أطفال القرية وفي الوقت ذاته يهين القابلة التي تحبه وتعمل لديه، كما أنه يغتصب ابنته القاصرة، أما القس فبدلاً من أن يكون بلسم رحمة، فإنه يزرع في نفوس أطفاله الصغار الخوف من الخطيئة، ويعاقبهم بالضرب على ارتكاب أهون الأشياء، ويعلق على ملابسهم شريطاً أبيض رمزاً للعفة والنقاء وتجنب الرذيلة.
وتمثل شخصية المعلم الشخصية الأقرب إلى أفكار المخرج نفسه. وهو في الفيلم يحاول أن يقنع القس بأن الأطفال هم الذين يقفون وراء سلسلة الجرائم التي تحدث في القرية، وأن المعاناة والعذاب الذي يتعرضون له، هو الذي يولد لديهم ردة الفعل الانتقامية، ويجعلهم يبحثون عن الأضعف لكي ينتقموا منه. لكن القس، يواجه أفكار المعلم بالسخرية والاستهزاء، وأيضا الغضب. وهو الغضب الذي لم يواجهه هانيكه، بل على العكس، وجد حفاوة كبيرة من النقاد وبعض الجمهور الألماني القادر على التجاوب مع هذه النوعية من الأفلام «النخبوية».
يرى النقاد في التربية السلطوية أساساً للإرهاب النازي الذي اندلع في ثلاثينيات القرن العشرين الفيلم مصور بالأبيض والأسود، وهو ما يجعل عديداً من مشاهده باردة، ثقيلة الوطأة على نفس المشاهد. ويعلل المخرج اختياره بأن صور تلك الحقبة من مطلع القرن العشرين راسخة في الوعي الجماعي بالأبيض والأسود. ويحمل الفيلم كافة سمات أسلوب هانيكه في الإخراج.
وكما رأيناها في أفلام مشهورة حازت جوائز عديدة؛ مثل فيلم «عازفة البيانو» الذي يستند إلى رواية بنفس العنوان للكاتبة النمساوية الفريده يلينك، أو فيلم «فيديو بيني» و«زمن الذئاب». في كل تلك الأفلام يقوم هانيكه البالغ من العمر سبعة وستين عاماً بتشريح النفس البشرية بكل ما تخبئه من شرور وآثام.
وبفيلمه الأخير يحث هانيكه المتفرج على التأمل في قضايا مثل التربية التي تعتمد العنف والقمع، وعواقب تلك التربية التي رأى فيها البعض سبباً للإرهاب النازي في ألمانيا الذي اندلع في الثلاثينيات، أي بعد نحو عشرين عاماً من زمن الفيلم، والذي أدى إلى نشوب نيران حرب عالمية أزهقت حياة نحو سبعين مليون من البشر.
تجري أحداث الفيلم في قرية بروتستانتية في شمال ألمانيا، غير أن المخرج يرى أنها يمكن أن تقع في أي مكان في العالم. لم يكن فيلم «الشريط الأبيض» من وحي خيال هانيكه. هذا ما يؤكده المخرج في حديث مع صحيفة «كولنر شتات أنتسايغر»، إذ يقول إنه قرأ تلالاً من الكتب التي تتناول الحياة وأساليب التربية في القرن التاسع عشر.
ومنها استمد أحداث الفيلم؛ فالشريط الأبيض، مثلاً، كان أداة تربوية لتذكير الأطفال بأهمية السلوك المستقيم، أما غيابه فكان يمثل فضيحة لهم. هانيكه يعتبر أن هدف الفيلم هو البحث عن جذور الشر والإرهاب في العالم، ولذلك فقد كان بإمكانه ؟ يقول هانيكه ؟ أن يصنع فيلماً مشابهاً تجري أحداثه في بلد إسلامي. النتيجة كانت ستكون بالطبع مختلفة، ولكن الفكرة الأساسية واحدة، مثلما يؤكد المخرج النمساوي.
برلين ـ إبراهيم توتونجي



