عندما سافرت شيخة إلى أستراليا للدراسة لم تكن تتخيل التحديات التي ستقابلها، خاصة أنها فتاة عربية الهوى إماراتية الهوية. لم تستطع شيخة التخلي عن عباءتها الإماراتية بسهولة، وكان الأمر ثقيلاً جداً على قلبها، ولكن ما باليد حيلة فالعباءة أثارت الكثير من ردود الفعل من المحيطين بها، كما أن شكلها كان ملحوظاً جداً بين الطلبة في الجامعة وبين الناس في الشوارع والمحال، وأصبحت الأعين تلاحقها أينما وجدت.

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على دراستها التي كانت تعاني من الهبوط والصعود السريع في العلاقات الاجتماعية بينها وبين زملائها، وبين أساتذتها الذين تنوعت جنسياتهم، بدأت التحديات الحقيقية تلوح في الأفق بالنسبة لشيخة، ففي صباح يوم الأربعاء الموافق 20 من شهر يناير 2010، دخل أستاذ مادة التاريخ كالعادة وبدأ في شرح الدرس المقرر وهو يرمق شيخة بعينه، وفي نهاية الحصة طلب المدرس من الطلبة والطالبات إعداد بحث ميداني عن مدنهم، ومقارنتها بالمدينة المثالية أو مدينة أفلاطون الفاضلة.

توثيق البحث: ولم تمض ثوان حتى أعاد أستاذ التاريخ الذي يتحفظ كثيراً في التعامل مع العرب حتى أكد ضرورة توثيق البحث بالصور والأفلام الواقعية التي تتضمن إنجازات تلك المدينة، وعمرها التاريخي ومقارنتها بهذه الإنجازات، وفي هذه الأثناء رمق الأستاذ شيخة بنظرة استخفاف غير واضحة ولم تكن تعلم شيخة سببها.

عادت شيخها إلى غرفتها وهي لا تعرف كيف تتصرف حيال هذا الأمر، فقد وعدت والديها بالتفوق في دراستها، إلا أن هذا البحث جاء ليكون أول عثرة من وجهة نظرها في طريق هذا التفوق، فهي بنت دبي تخرجت في مدارسها وتربّت فيها وتعلمت الكثير على أرضها، ولكنها لم تكن تعلم أنها ستكون سفيرة لبلدها في أول بحث ميداني لها عن دبي، وكان الأمر بمثابة الامتحان الأكبر لها.

لم تنم شيخة طوال الليل، فقامت على الفور واتصلت بوالدتها التي تعمل في مركز مرموق في دبي وتتمتع بثقافة عالية، وجاء صوت شيخة مخنوقاً وهي تحدث والدتها:

- أمي لا أعرف ماذا أفعل فلم أكن أتوقع يوماً أن أمرّ بهذا الموقف.

- لماذا تقولين هذا الكلام هل وجدت الدراسة صعبة عليك؟ وهل هناك معوقات أمامك؟

- نعم يا أمي، فقد طلب منا أستاذ التاريخ اليوم إعداد بحث ميداني عن مدينة كل منا، وعن إنجازات تلك المدينة وعن تاريخها، كما طلب منا توثيق المعلومات بالصور والأفلام الواقعية، ولم أعرف ماذا أفعل؟

- ألهذا السبب أنت منزعجة، أنا لا أرى في هذا الأمر شيئاً، بل العكس أرى أنك ستحققين تفوقاً كبيراً عبر هذا البحث.

- ماذا تقولين يا أمي؟ ألا تعلمين أن أغلب الطلبة من أعرق مدن العالم، وأنهم يملكون تاريخاً مكتظاً بالإنجازات التاريخية العملاقة التي تدرس لنا في الكتب.

- ماذا بعد يا شيخة، أهذا ما يخيفك؟ التاريخ القديم لتلك المدن، ألا تعلمين أن هناك تاريخاً حديثاً، وأن الناس أصبحوا يهتمون به كما يهتمون بالقديم.

- ماذا تقولين يا أمي، أستاذ التاريخ يقصد إزعاجي، فهو لا يحب العرب ودائماً ما يلوح بالعبارات الاستخفافية بهم.

- لا ينبغي أن تهتزي من هذا الكلام فقد اعتدنا عليه، وتعلمنا كيف نتعامل معه على مرّ السنوات، بل افعلي ما طلبه منك، واكتبي عن مدينتك، ولكني أقترح عليك أن تذهبي غداً إلى أستاذك وتستأذني في تأجيل تسليم البحث إلى نهاية شهر فبراير.

- ماذا؟ أطلب التأجيل لماذا؟ لا أستطيع ذلك، كيف أبرر له هذا التأجيل.. وما سببه؟

- نسيتِ يا شيخة أن انطلاق مهرجان دبي للتسوق سيكون في نهاية شهر يناير، نسيت الأيام الجميلة التي كنا نقضيها في المهرجان عبر السنوات الماضية، لقد كنتِ طفلة أيام انطلاق المهرجان للسنة الأولى، وها أنت الآن شابة يافعة.

- آه يا أمي، لقد اشتقت لأيام المهرجان التي كانت من أروع أيام حياتي، ففي أيام المهرجان لم أكن أنام خوفاً من أن تفوتني تلك اللحظات الرائعة، ولكن ما علاقة المهرجان بالبحث الذي طُلب مني؟

- مهرجان دبي للتسوق أصبح أحد أهم الأحداث البارزة التي تنطلق كل عام من دبي، كما أن دبي تتحول في المهرجان إلى واحة جميلة تشع بالأنوار وتصدح من شوارعها ومراكزها الأصوات، وتتوافد عليها الجنسيات المتعددة، إنه المهرجان يا شيخة.

- معك حق يا أمي، لقد فهمت ماذا تقصدين، فالمهرجان سيوفر الصور والأفلام التي طلبها منا الأستاذ، ولكني أتمنى ألا يرفض طلبي، أشكرك يا أمي لقد أزحت حجراً ثقيلاً كان على قلبي، وفتحت عينيّ على مدينتي التي عشقتها حتى النخاع.

- تعوّذي بالله، ونامي يا شيخة، وأخبريني ماذا سيحدث معك غداً؟

- تصبحين على خير يا أمي.

تأجيل المشروع

قررت شيخة في هذا اليوم الذهاب إلى أستاذ التاريخ، واستأذنته في تأجيل تسليم المشروع الذي طلبه منها، ولكنها كانت مترددة بعض الشيء، فهي تخشى أن يرفض هذا الأستاذ طلبها.

وبين التردد والرغبة في تحقيق الإنجاز تمالكت شيخة شجاعتها بعد انتهاء المحاضرة، ودخلت على أستاذ التاريخ لتخبره برغبتها.

- لقد جئت اليوم لأستأذنك في تأجيل تسليم المشروع الذي طلبته منا وأتمنى أن توافق على طلبي.

- لماذا التأجيل؟ هل هناك شيء طارئ يستدعي هذا التأجيل، أم أنها طبيعة العرب في تأجيل كافة مشروعاتهم.

شيخة وقد بدأ العرق يتصبب منها: الأمر ليس كذلك، فأنا أريد تأجيل تسليم المشروع لوقت قصير، وأعدك أنني سأقدم أفضل مشروع بين الطلبة. الأستاذ بنبرة سخرية: أفضل مشروع، أتعلمين أن أفضل مشروع سيكون لأفضل مدينة، وأن الأمر لا يحتاج إلا لعملية توثيق تاريخية، ولا يحتاج إلى اختراع أو تركيبات خاصة؟

- نعم أعرف ذلك، ولكني سأبذل قصارى جهدي، وأنا متأكدة من أن مشروعي سينال إعجابك.

- من أين لك بهذه الثقة؟ المهم.. ما سبب التأجيل الطارئ؟

شيخة بتردد: أريد التأجيل لحين انطلاق مهرجان دبي للتسوق.

- مهرجان دبي للتسوق. ما هذا أنت تستخفين بي أم أنك غير مدركة لما تقولين؟

- آسفة يا أستاذ، لا أعرف كيف أشرح لك أهمية هذا المهرجان لي ولكل من يقيم ويزور دبي، مدينتي، ولكن يمكنني أن أوجز لك الأمر في أن المهرجان يختصر العالم في 30 يوماً كل عام، فهو مهرجان السلام والفرح لأكثر من 200 جنسية مختلفة.

- يختصر العالم؟ أي عالم تتحدثين عنه، لماذا تنتهجين أسلوب المبالغة في حديثك؟ هل تعتقدين أن هذا الأسلوب سيبهرني؟ أنت مخطئة، وطلبك مرفوض.

- أرجو أن تعطيني فرصة واحدة، إن الأمر يستحق منك أن تتفهم مني ما أريد أن أفعله، لقد حضرت إلى هذه الدولة وكلي إصرار على تحقيق التفوق والتميز، فقد علمتني مدينتي أن أكون رقم واحد ولا أرضى بأن أكون في الخانة الثانية، سأثبت لك أنّ سماحك لي بتأجيل الموضوع سيكون بمثابة التحدي الأكبر، وسأثبت لك صدق كلامي.

- تحدٍ؟ ألا تجدين أن في هذه الكلمة مبالغة واضحة لبحث ينجز كل عام، أم أنك تحمسينني للموافقة على طلبك.

- نعم إنه بحث عادي ينجز كل عام، ولكنه بالنسبة لي إنجاز، على الأقل سأوضح لكل من يدرس معي في هذه الجامعة ولكل أساتذتي ومن سيناقشون البحث ما هي دبي.

- أرى في نبرة صوتك إصراراً لا أعرف سره، ولكن تأجيل الموضوع لأجل المهرجان الذي تتحدثين عنه شيء غير منطقي، إلا أنني أرغب في أن يكون هذا البحث تغييراً لمنحى حياتك، وأن تخرجي من الأحلام، وتعيشي واقع أنك فتاة عربية، وأنت تعرفين قصدي طبعاً، لقد وافقت على تأجيل الموضوع، ولكن ضعي في اعتبارك أنك من وضعت نفسك في هذا المأزق.

- أشكرك.. أشكرك وأرجو أن تثق في قدراتي ولن أعود إلا ومعي أفضل مشروع قدم حتى الآن، أستودعك الله، وإلى لقاء قريب إنشاء الله.

البداية

خرجت شيخة من مكتب أستاذ التاريخ وهي غير مصدقة لما حدث فقد لبى طلبها، ولكنها وقفت في منتصف الطريق حائرة ماذا ستفعل؟ تسمّرت شيخة في الأرض وشعرت بأنها تدور في فلك لا أول له من آخر، ولكنها أفاقت على خروج الطلبة من المحاضرة لتجدهم ينظرون لها بدهشة كبيرة، وعلى الفور تحركت إلى سكنها لتبدأ الطريق.

قررت شيخة أن تعود إلى دبي، خاصة أن مهرجان دبي للتسوق أوشك على الانطلاق، امتزج قرار شيخة بالعودة إلى دبي لانجاز المشروع بالرغبة العارمة في حضور المهرجان، فهو الموعد السنوي الذي تنتظره شيخة من عام لآخر، فهذا المهرجان شهد أيام طفولتها، فكم من رسمة قامت بها شيخة في فعاليات المهرجان، فكانت تبدع في كل ركن للرسم تذهب إليه وهي طفلة وتلون بيديها العديد من اللوحات التي تعبر عن الفرحة التي تعيشها، وكبرت شيخة وكبر معها المهرجان لتكون احدى المتطوعات على مدى ثلاث سنوات متتالية في العديد من الأماكن والفعاليات، ولتسجل في ذاكرتها الكثير من الوجوه الضاحكة والباسمة التي كانت توجد كل عام.

تذكرت شيخة الطفل ذا الخمسة أعوام الذي وجدته يلعب في القرية العالمية وهو لا يعرف أين أهله، ولم يكن هذا الطفل منزعجاً بسبب غياب أهله، فقد راح يلهو هنا وهناك ويجري في الجناح الصيني ليمسك باللعبة تلو الأخرى، وقد كانت شيخة السبب في العثور على أهله بعدما أعلنت إذاعة القرية العالمية عثورها على طفل، مدلِية بأوصافه، لم تتعجب شيخة عندما حضرت الأم وجرت على ابنها وهي تحتضنه والأب يؤكد أنه كان يثق في أن الطفل في أمان، فذلك الأب من المقيمين في دبي منذ أكثر من 10 أعوام، ولم يشعر للحظة واحدة بأنه لن يعثر على طفله بل بالعكس كان وكأنه يعرف أين سيجده بأمان، وكم كانت سعادة شيخة والشكر الجزيل ينهال عليها من الأهل الذين وجدوا الطفل في أيدٍ أمينة.

تنهدت شيخة وهي تبحر في الذكريات، وأفاقت على صوت الهاتف وهو يرن وأمسكت شيخة بالهاتف لتجد أمها على الطرف الثاني.

- مرحباً شيخة كيف حالك؟ وكيف كان يومك؟

- مرحباً يا أمي، لقد اتصلت في الوقت المناسب أنا فرحة جداً فقد وافق أستاذ التاريخ على طلبي بتأجيل تسليم البحث بعض الوقت، ولكنني قلقة جداً ولا أعرف ماذا أفعل؟

- مبارك لك يا شيخة، احزمى حقائبك وعودي إلى دبي، واستعدي للتحدي.

رحلة العودة

على الرغم من أن رحلة العودة كانت بمثابة رجوع الروح إلى الجسد بالنسبة لشيخة، إلا أنها كانت تفكر طوال الوقت في قصة التحدي، وفي الانجاز الكبير الذي يجب أن تخوضه، ويجب أن تفوز فيه، وإلا كان موقفها حرجاً أمام نفسها وأمام أستاذ التاريخ.

وفي الطريق من المطار إلى البيت بدأت مشاعر شيخة تجيش في داخلها عندما رأت الشوارع مزينة ولافتات المهرجان الملونة ترفرف على جسر القرهود، وأمام مركز وافي وعلى الجسور وضعت إعلانات الموسم السنوى بالروائع والفعاليات والتنزيلات والعروض الخاصة التي ينتظرها الكثيرون ومنهم شيخة التي تهتم بالمهرجان هذا العام أكثر من أي وقت مضى.

أيقنت شيخة أن مهمتها قد بدأت بعدما وجدت المهرجان يطمئنها عبر بوادره الطيبة، بأنه لن يخذلها وأنها ستكسب التحدي وستكون دبي مدينة الروائع التي لا يختلف عليها اثنان.

عادت شيخة إلى بيت العائلة والجميع في انتظارها وكأنها في مهمة خاصة في بلدها، الجميع علم بما تستعد شيخة له والجميع يعلم أن دبي لن تخذل شيخة وان بنت دبي قادرة على إعلاء شأن بلدها في إي مكان في العالم.

لم يكن أمام شيخة سوى 15 يوما على انجاز ما عادت من اجله إلى دبي، ففي اليوم الأول بدأت شيخة تحمل أوراقها وأقلامها، وكاميراتها الفوتوغرافية والفيديو لتسجيل الأماكن والأحداث التي أثرت في تاريخ دبي، والتي أدخلت دبي في مصافّ الدول الكبرى، واستعانت شيخة بأخيها حمد ليكون معينا لها في مشروع العمر الذي تنوي انجازه.

الاسواق القديمة

انطلقت شيخة إلى الأسواق القديمة في دبي التي تقع بالقرب من الخور «رئة دبي» الذي شهد العديد من الرحلات والصفقات التجارية في دبي ورصدها، وبدأت شيخة تصور البيوت القديمة، وحركة التجارة التي لم تهدأ من زمن بعيد، وحجم المعروضات التي تتلاقى من شتى بقاع الأرض لتستقر في دبي او تنطلق إلى مكان آخر.

وحملت شيخة كاميرا الفيديو بيديها وبدت وكأنها في مهمة خاصة ودخلت متحف دبي وصورت قاعة الفهيدي، لم تكن تتخيل شيخة أن المتحف بهذه الروعة فعلى الرغم من أنها بنت دبي إلا أنها لم تزر المتحف منذ أن كانت طفلة، أيام الرحلات المدرسية، ففي المتحف رصد حقيقي اقرب إلى الواقع في الشخصيات وتسلسل الأحداث، وتنوع المعروضات التي جسدت بشكل طبيعي عن طريق مجسمات لشخصيات قد تكون إحداها شخصية جدّ شيخة، يبرز متحف دبي التطور الكبير في التجارة خاصة تلك التي تتعلق بالبحر في دبي.

ومن المتحف انطلقت شيخة مسرعة إلى قرية التراث والغوص، ولكنها تركت الكاميرا جانباً لتجري كالطفلة إلى الأرجوحة التي اعتادت على اللهو بها في الصغر، وجلس أخوها على لعبة أخرى ليستعيدا «أيام زمان» في حاضر دبي. ومن هناك بدأت قصة الأعراس والعادات والتقاليد الإماراتية التي مازال البعض يحافظ عليها، فهنا توجد ذهبة العروس، وهناك يوجد المندوس، وفي زاوية وضعت زينة العروس وحنتها.

خلية نحل

مر اليوم الأول سريعاً وكانت شيخة سعيدة جداً، حيث عادت إلى البيت لتخبر أمها بإنجاز اليوم الأول، وتسعد في اليوم الثاني، الذي جاء سريعاً واختارت شيخة أن تذهب إلى شارع الرقة، حيث العديد من الفعاليات التي يمكنها تصويرها في هذا الشارع الذي غاب عن المهرجان لسنوات وعاد بحلة جديدة، وعلى جانبي الشارع اصطف الناس بكاميراتهم من جميع الجنسيات نساء ورجالاً، أطفالاً وعجائز، أصحاء ومعاقين، الكل سعيد ومنبهر بهذه الكرنفالات المتعددة الأشكال والألوان، أما العروض الفنية فقد حولت شارع الرقة والسيف إلى مسارح مفتوحة، وكأن العالم كله يحتفل بالمهرجان وروائعه الكثيرة.

وفي نفس الشارع اصطف عدد من المحال المتنوعة والباعة والرسامين وعازفي القانون والاورج، فقد تحول الشارع إلى خلية نحل لا يمكن وصفها، فالحياة في هذه الشوارع تغيرت كلياً، لتعرف طرقاتها معنى البهجة وليحظى ساكنوها برؤية المسارح والعروض دون الحاجة للانتقال من البيت.

لم تنتظر شيخة يوماً جديداً فقد حملت كاميراتها وانطلقت إلى القرية العالمية ذلك العالم المصغر، وكعادتها كل عام تشهد القرية العالمية تغييرات كثيرة طالت أجنحتها كما طالت فنونها ومنتجاتها، واكتظت القرية العالمية بالزوار الذين وعلى الرغم من الازدحام الشديد إلا أن البهجة والفرحة لم تفارق وجوههم.

وتتوالى الأيام يوماً تلو الآخر تتنقل شيخة في مدينتها دبي وكأنها تراها للمرة الأولى ففي كل مرة كانت تشعر بأحاسيس غريبة تسري في جسدها، ففي وافي صورت شيخة الذي يستضيف عرض «الفرينج» الذي وجد استحسانا كبيراً من زواره الذين لم يستطيعوا غض النظر عن التنزيلات الكبيرة التي ساعدتهم على اقتناء ما كانوا يبحثون عنه بأرخص الأسعار.

يوم جديد توجهت فيه شيخة إلى شانزلزيه دبي أو الممشى ذلك المكان الساحر في الليل والنهار، فمن الساعة 12 ظهراً يتحول الشارع إلى قطعة من أوروبا سواء في تنوع الجنسيات الموجودة في الشارع والتي تجلس أمام المحال المختلفة مواجهة للبحر، او عدد العروض الفنية والترفيهية التي يشهدها هذا المكان ذو الطعم المختلف في توليفة دبي الخاصة.

ومن هناك لم تتمالك شيخة نفسها فى الانتقال إلى موقع آخر، وكانت الوسيلة هذه المرة المترو ذلك الضيف الجديد على المهرجان هذا العام، وقد ظهر المترو يتهادى على شارع الشيخ زايد المبتهج بمبانيه العالية ذات التنوع في الأشكال والطوابق، ومن هناك ذهبت شيخة إلى دبي مول، حيث اقترب افتتاح معرض إبداعات الذي يضم نخبة من مصممي الأزياء العالميين، كما أضاف الإكواريوم الكثير لهذا المكان المختلف كلياً، والذي يعج صباحاً بالزوار ويكتظ ليلاً بمحبي نافورته الراقصة التي تغازل انجاز هذا العام إنها تتراقص فرحاً ببرج خليفة.

تسمرت شيخة في مكانها ولم يستطع نظرها رصد اعلى قمة البرج، حيث كادت تنقلب على ظهرها، وعلى الفور قررت شيخة أن تصعد إلى اعلى البرج لتلتقط من هذه النقطة العالية أجمل صور في حياتها، وفي طريقها إلى قمة برج خليفة تقابلت مع احد الأشخاص الذي لاحظ سعادة شيخة بادية على وجهها والفخر يعلو هامتها فقد كان لسان حالها يريد الحديث ويخبر الجميع أن هذا البرج في مدينة إماراتية، وانه انجاز آخر يضاف إلى تلك الانجازات التي لا تنتهي في مدينة الحلم دبي.

ودون مقدمات سألتها إحدى السيدات عن مجال دراستها، وردت شيخة بأنها تدرس في استراليا، وسألتها السيدة عن مدى ترويجها لبلدها هناك مشيدة بإعجابها بدبي والإمارات، مؤكدة دعمها غير المحدود في نقل مقر الأمم المتحدة إلى دبي التي تستحق ذلك بجدارة.

اقترب الموعد

مر أكثر من 15 يوماً بسرعة البرق على شيخة وحزمت حقائبها وأشرطتها وصورها، وهي تشعر بأن القادم صعب، ولكن تشجيع من حولها جعلها تطمئن وتعدهم بأنها تتشرف بكونها سفيرة لبلدها. وفي صباح اليوم الموعود تقابلت شيخة مع أستاذ التاريخ الذي كان يرمقها بنظرته المعتادة.

- صباح الخير يا أستاذ، كيف حالك.

- لا بأس ماذا فعلت هل انتهى مهرجانك المزعوم أم لا؟

- لا، لم ينته المهرجان بعد، ولكنني عدت بأفضل ما عرضه حتى تلك اللحظة وأريد أن أعرضه عليك.

- ماذا هل ستضيّعين وقتي في مشاهدة مهرجان لم أسمع عنه من قبل، يبدو انك لم تستوعبي فكرة البحث الذي يقتضي توثيقاً تاريخياً لمدينتك وليس لمهرجان.

- صبراً يا أستاذي أرجو إعطائي فرصة لتوضيح ما أريد قوله، والذي أفضل أن يمتزج بعرض الفيديو الذي بحوزتي.

- يبدو أن نهايتك قربت، تفضلي اعرضي ما عندك ولكن بسرعة.

بدأ الفيلم بالشوارع التي اكتست بالزينة وبالألوان البراقة والأصوات العالية للألعاب النارية، وتوالت المشاهد الواحد تلو الآخر، وطوال الوقت لم يتكلم أستاذ التاريخ بل بات يعدل من جلسته من حين إلى آخر، فقد وثقت شيخة شريطها بتواريخ كل الانجازات، وهو الأمر الذي أثار فضول الأستاذ وأخرجه من حالة الانبهار التي دخل فيها رغماً عنه، وقال لشيخة هل هذه التواريخ صحيحة، فردت شيخة بالإيجاب، فتعجب وقال: كيف تنجز مبانٍ ومشروعات بهذه العظمة في وقت قياسي ودون خسائر بشرية او خطأ فادح كما هي العادة.

وجاءت لحظة برج خليفة حيث ظهر عدد كبير من الناس الذين يرغبون في الصعود إلى اعلى البرج من الصين والهند واليابان وروسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول العالم العربي والغربي والجميع ينعم بسلام غريب يظهر جليا في اصطفاف الناس جنبا إلى جنب دون خوف.

اختصار الزمن

وهنا طلب أستاذ التاريخ من شيخة إيقاف الشريط، وقد بدأت علامات القلق تظهر على شيخة، ولكن الأستاذ الذي شعر بالهزيمة، نظر لها وقال احملي الفيلم وسنعرضه غداً مع باقي الأفلام. ودون أن تنبس شيخة بكلمة واحدة حملت فيلمها وذهبت إلى غرفتها، منتظرة مجيء اليوم التالي بفارغ الصبر.

وجاء اليوم حيث حضر أستاذ التاريخ، وقال لقد شاهدت بالأمس جميع الأفلام التي أنجزتموها، ولا أنكر أن هناك عدداً كبيراً من الأفلام جيد، خاصة تلك التي تتعلق بالأهرامات، او سور الصين العظيم او برج إيفل، إلا أن فيلما واحدا أثار تساؤلي وهو فيلم شيخة عن مدينة دبي، وأعاود التأكيد على شيخة بخصوص التواريخ التي وردت في الفيلم والتي أدهشتني فعلاً، فما أنجزته تلك المدينة في سنوات معدودة عجزت عن تحقيقه دول كبرى في قرون طويلة، فهناك حضارات منذ آلاف السنين، إلا أن دبي اختصرت آلاف السنين في نموذج يصعب تكراره.

وأكمل الأستاذ: أعترف بأنني أخطأت في تقدير حجم المدن ومدى تأثيرها في العالم، فعلى ما يبدو أن التاريخ القديم علم، والإنجازات الحديثة علم آخر أتمنى أن أنهل منه. لقد حسمت شيخة النتيجة وفاز فيلمها عن دبي مدينة الإنجازات التي لا تنتهي.

قرية الغوص

وفي القرية توزعت الخبّازات اللاتي يقدمن بأيديهن خبز الجباب الرقاق والخمير، واللقيمات إلى الزوار بكل حب غير مفرقين بين جنسية ولا لون ولا لغة، فهن يمنحن الجميع الخبز الممزوج بالفرح.

وعلى الطرف الآخر جلست شيخة إلى جوار الجد حميد الذي راح يخيط الشباك منهمكاً وكأنه يستعد لرحلة صيد حقيقية ليعود بالخير الوفير لعائلته وأهله، لم يخف الجد حميد فضوله عن شيخة التي جلست تستفسر منه عن بعض الأعمال التي يقوم بها، وكأنها كانت تحتاج إلى دعواته ومؤازرته لها في رحلة التحدي، وببعض الكلمات البسيطة اطمأنت شيخة وحصلت على جرعة مضاعفة من الحماس.

أما حمد فقد انشغل بالبحث عن الكتب التاريخية التي تحكي عن تاريخ وتطور دبي عبر الزمن، خاصة وان هناك مواقع أثرية كثيرة كُشف النقاب عنها مؤخراً، تؤكد أن تاريخ دبي يمتد آلاف السنين، وراح حمد يجمع من هنا ومن هناك الكتب منها باللغة العربية ومنها باللغة الانجليزية عن دبي.

ألعاب

عروض «فرينج» تبهر الجمهور في وافي

تستمر عروض «مهرجان فرينج» في وافي، أحد الرعاة الرئيسين لمهرجان دبي للتسوق 2010، فعالية في إبهار الجمهور الذي يتوافد بأعداد كبيرة لمشاهدة هذا العرض المميز، والذي سيستمر حتى الثامن والعشرين من فبراير الجاري.

وتقدم الفرقة التي يبلغ عدد أعضائها 9، عرضاً متنوعاً من 7 فقرات تتخللها رقصات المهرجين وألعابهم الخفيفة، إضافة إلى مسرحية «المحاكاة» التي تقدمها الفرقة مستخدمة الرقصات والحركات الإيحائية وتعابير الوجه وحركات الجسد كلغة لإيصال قصصهم وأفكارهم، وما يريدون قوله للجمهور دون استخدام أية حروف أو كلمات.

حيث إن أكثر ما يثير الجمهور ويلهب حماسهم قدرة الفرقة على التخاطب مع الجمهور وسرد قصص ومقاطع قصيرة عليهم باستخدام لغة التمثيل الافتراضي، وتجسيد ما يريدون قوله على الهواء بحركات اليدين والقدمين وتفاصيل الوجه وتحريك ملامحه بقدرة فائقة وبطريقة ذكية ومفهومة وواضحة للصغير والكبير.

ويتضمن «مهرجان فرينج» عروض المهرجين الفكاهية ومسرح الكرتون من 15-21 فبراير 2010، حيث يسبق هذه العروض عرض كرنفالي متجول يجوب مختلف أنحاء وافي. ومن ثم يبدأ عرض الفرقة الصينية تتبعها الرقصات التراثية الصينية، وسيكون ضيوف المهرجان على موعد مع هذه الفرقة التي تؤدي 3 عروض يومياً من الفترة بين 22 فبراير وحتى 28 فبراير 2010.

دبي ـ شيرين فاروق