هل هناك سينما شابة وأخرى عجوز؟ بمعنى، هل هناك سينما تكترث لصناعة الحكايات عن حياة المسنين، وأخرى تركز على البشرات الزاهية لجيل الشباب؟ وفي عبارة أخرى: هل هناك سينما «عنصرية» تتجاهل انشغالات المسنين، وتظهرهم في أدوار ثانوية، يدعمون سير الأبطال، الذين هم غالبا يراوحون عند مقتبل الثلاثينيات من العمر.. في مقابل سينما تحتفي بقصص كبار السن، وتغوص في عوالمهم الداخلية، لتطلع بابتكارات سينمائية درامية او كوميدية، ليست اقل نجاحا، عما يسميه البعض بسينما «الشباب»..

مأوى العجزة

مشاهدة الأفلام الأوروبية، ما تنتجها سينما ألمانيا وايطاليا واسبانيا وفرنسا وغيرها.. في مهرجانات سينما أوروبا، تجعلك تفكر بتلك الأسئلة، وتراوح المقارنة بين سينما العالم العربي، بخصوص هذا الموضوع، وسينما أوروبا، عندك، على حدود الدهشة والأسى، وأيضا جلد الذات، باعتبار مجريات ثقافتنا، لطالما أعلت من صورة الشاب وأخفت صورة العجوز. نحن، لا نجرؤ على البوح، حين يتعلق الأمر بالآباء أو الأجداد. هم أيضا، أنفسهم، لا يجرأون. في الأربعين من عمرها، تثبت الأم، عندنا، دورها كفادية للأسرة، والمضحية التي تستعد لإلغاء حياتها في سبيل الأبناء.

في الخمسين، تبدأ رحلتها كحاضنة، من جديد، لأبناء الأبناء. في الستين، تتحول إلى الجدة، راوية الحكايات المبهجة، ان بقيت في بيت العائلة، وراوية الذكريات الحزينة، في حال تم ترحيلها إلى «مأوى العجزة». انتظار الموت، بعد الاقتناع ب«تأدية الرسالة» على أكمل وجه، يصبح الغاية والوسيلة. انتظار مبكر جدا. هذا ربما اختزال، لكنه يعبر بدرجة كبيرة عن واقعنا.

وكما في الحياة، كذلك في السينما، تكبر ممثلاتنا، فيتجهن إلى رواية الحكايات في الدراما، أو يحتجبن في البيوت، أو يقررن التمرد على هذا «الحجر»، فيظهرن في السينما، في أفلام تتحدث عن قضايا المسن، بجرأة، فإذا بهن يتلقين سهام النقد والتجريح من كل مكان. يطالب المجتمع بإقصاء صورة المسن عن السينما.

نموذج مغاير

لطالما قدمت أوروبا مثالا مغايرا. وبحكم التركيبة السكانية، في قارة 18% من سكانها يزيد عمره على ال65 سنة، فإن أدوار البطولة، في حكايات الأفلام، لا تزال تعطى لكبار السن. يريد جمهور متقدم بالعمر (بوسعك ان تلاحظ في برلين على سبيل المثال جمهورا عريضا في صالات السينما من هذه الفئة العمرية) أن يشاهد حياته على الشاشة أيضا، وليس فقط حياة الابناء.

ربما الحيوات متشابكة فيما بينها. لكنه يصفق احتراما لمخرج يتناول أحاسيس سيدة مسنة أجبرت على الزواج من شقيق الرجل الذي أحبته وعاشت حياة طويلة حبيسة مرارة هذا الفقدان (كما في الفيلم الايطالي ميني فاجانتي)، أو جدة تخاف ان تمرض او تدخل في سكتة دماغية، فلا تجد أحدا يرعاها، فتقرر التوصل إلى حلول غير تقليدية (كما هي الحال في الفيلم الاسباني «ولدت للعذاب»)، أو ممثل سينمائي يخاف ان يؤثر تقدمه في العمر على قدرته على اداء أدوار محددة (كما هي الحال في الفيلم الألماني لقاء الويسكي بالفودكا).

دراما وكوميديا في خريف العمر

في فيلمه «ميني فاجنتي» (لوز كانونز بالانجليزية) الذي عرض ضمن فعاليات «بانوراما»، يكمل المخرج الايطالي تركي الأصل فيرزان اوزبيتيك، رحلته السينمائية في صناعة أفلام عن قيمة الحب، من أي نوع وأي جنس كان، باعتبارها محركا رئيسيا لحياة الشخوص، بغض النظر عن أعمارهم. في منزل عائلة ايطالية متحفظة، تتناقل تخصص صناعة الباستا من جيل إلى جيل، في قرية صغيرة اسمها «ليتشي»، يأخذنا اوزبيتيك، إلى علاقات متأزمة بين أفراد العائلة، سببها الخيارات المسلوبة وعدم تجرؤ الابن على البوح بحقيقة خياراته في الحياة للأب.

فيما الجدة (الممثلة القديرة ايلاريا اوتشيني)، التي تخيّم ذكرياتها (الفلاش باك) على أجواء الفيلم من البداية إلى النهاية، تصنع المشهد الأكثر تأثيرا في الفيلم بكامله، والذي يكثف الرسالة، بأن ترتدي أجمل الثياب، وتتجمل، وتزف نفسها إلى حبيب لم تحظ به قبل زمن طويل، بأن تنتحر عبر أكل الكثير من الحلوى. تنتحر بالسكّر، تاركة لحفيدها رسالة واضحة:«افعل ما تريده، عش حياتك كما ترغب»!

في «ناكيدا بارا سوفرير» (خلقت للعذاب)، يقدم الإسباني ميغل البالاديخو، مقاربة ذكية وساخرة للقوانين في اسبانيا التي تسمح للزواج المثلي (بين ابناء الجنس الواحد)، حيث لا تجد فلورا (الممثلة بيترا مارتينز)، المهددة بفقدان منزلها من قبل الأحفاد وعزلها في بيت المسنين، حلا سوى أن تعقد قرانا صوريا على الخادمة بوريتا، التي عملت لديها طوال سنوات، لكي تحمي حياتها. وتتعقد الأحداث مع قدوم أم بوريتا إلى المنزل ومع التعقيدات التي يواجهها الثنائي (عجوز فوق السبعين وسيدة في منتصف الأربعين ) في القرية الاسبانية الصغيرة.

أما في فيلم الألماني أندريا دراسن «لقاء الويسكي بالفودكا»، وهو من تأليف الكاتب الألماني الشهير وولفغن كولهاس، الذي يحتفي المهرجان بإنجازاته هذا العام، نجد احتفاء حقيقيا بالسينما وعلاقتها بالمتقدم بالسن، عبر قصة نجم يتقدم في العمر، يحبه الجمهور والمنتجون، لكنّ الخوف من عدم قدرته على إكمال تصوير الفيلم حتى النهاية، يجعل المنتج يستقدم بديلاً «احتياطي» كما في أجواء الرياضة. «نحن نتقدم بالعمر، اعطينا نصف حياتنا للسينما والناس، كل ما نطلبه بالمقابل، هو الاحترام حين نشيخ»، جملة يقولها بطل الفيلم، وتختصر الكثير عن العلاقة بين السينما وأبطالها.. أو ضحاياها! .

برلين- إبراهيم توتونجي