قال الشيخ: للتوحيد الذي استقر في القلب السليم ثمار عظيمة، وآثار تنعكس على الفرد فيحيا حياة طبية مباركة، ثم يفوز في الآخرة بالنعيم المقيم. وكنا قد ذكرنا أن التوحيد هو العلم بأنه لا إله إلا الله ولا مستحق للعبادة إلا هو، مع اليقين بذلك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المانع للنفاق، والمحبة المترتبة بالضرورة على هذا العلم، والتي اعتبرها ابن رجب الحنبلي رحمه الله(فرض عين) لكونها اضطرارية عقلاً لذي الكمال المطلق وواجبة نقلاً، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام من عدم كمال الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب للمرء مما سواهما.
وأخيراً أداء حقوق التوحيد؛ من الالتزام بمنهج الله، وتحكيم شرعه، وتحليل ما حلله، وتحريم ما حرمه. قال ابن تيمية رحمه الله: «وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا هو حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم عليه السلام» (مجموع الفتاوى).
جنة بغير حساب
وذكر ابن القيم رحمه الله أن توحيد الله أعظم أسباب انشراح الصدر (زاد المعاد).
ومن ثمار التوحيد أن من حققه دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقد روى عبادة بن الصامت عن الرسول الأعظم عليه السلام القول: «من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (متفق عليه). وفي البخاري، حدثنا أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ.
قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (قالها ثلاثاً. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرّمه الله تعالى من النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا»، فأخبر بها معاذ عند موته.
ومن ثمار التوحيد مغفرة الذنوب وتكفيرها، لقوله تعالى:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} النساء 48.
وللترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة».
وهذه النصوص يجب ألا يفهم منها أن مجرد الايمان بالله علماً بأنه لا إله إلا الله ولا مستحق للعبودية غيره هو التوحيد المكفر للذنوب، والذي يدخل الجنة بغير حساب، فإبليس نفسه كان يؤمن بهذا؛ فقد قال: (فبعزتك) الآية 82 سورة ص، وقال (أنظرني إلى يوم يبعثون)الأعراف، وقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) الأعراف. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «إذن يتكلوا». إنما التوحيد المطلوب هو الذي ذكرناه في السطور الأولى من علم ويقين وإخلاص وصدق ومحبة والتزام، وإلا فإن المنافقين والعصاة يدخلون الجنة بغير حساب.
الدرك الأسفل
وقد تقرر في القرآن الكريم وأقوال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وأن العصاة - أو بعضهم سيما أهل الكبائر - يعذبون بذنوبهم. ومن ثمار التوحيد أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، فانظر إلى سيدنا يونس عليه السلام كيف ناجى ربه من بطن الحوت «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، فكشف الله ما به من غم وهم.
قال بعض العارفين: عجبت لأربعة كيف يغفلون عن أربع: عجبت لمن يبتلى بالغم كيف يغفل عن (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، والحق سبحانه وتعالى يقول:{فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}، وعجبت لمن يبتلى بالمكر كيف يغفل عن (أفوض أمري إلى الله)، والحق سبحانه وتعالى يقول: {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب}.
وعجبت لمن يبتلى بالخوف كيف يغفل عن (حسبنا الله ونعم الوكيل)، والحق سبحانه وتعالى يقول: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}، وعجبت لمن يرغب بشيء كيف يغفل عن (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، والحق سبحانه وتعالى يقول:{فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً}.
ماهر سقا أميني
