هل تقبع الأوهام في الأشجار أو الكتب؟

زيارة إلى أشباح غابة «تيرغارتن»

أين هي؟ تتعلق على رؤوس الأشجار، أم تحفر ثقوبا في الجليد؟ أشباح غابة «تيرغارتن» لا تقترح عليّ، أنا الزائر الغريب، أي لعبة من ألعاب الخوف. هاربا من صور السينما، من القصص والمشاهد والأصوات، أغوص في هذه الغابة، في هذا الصمت، الممتد على مساحة خمسمائة كيلومتر مربع، في وسط برلين، بعيدا عن ضوضاء المهرجان. ثمة سيدة ترتدي معطفا بنفسجيا، وتتحرك وسط مشهد الثلج الأبيض المحيط، كعلامة، أو إشارة تتنقل ببطء بين أشجار باسقة، لا تحمل ورقة واحدة على أغصانها.

ماذا تريد السيدة أن توحي لي؟ هل لديها السر؟ المفتاح؟ التعويذة؟ هل اتبعها؟ أتردد، فيما إحساس غامض بالخوف يسيطر على قلبي. هذا الكلب الكبير يشبه ذئبا. يحني رأسه إلى الأرض، ويتحرك بخفة. ذئب أم ضبع؟ لا اعرف نوعه، لكني أعرف أمرا واحدا، في هذه اللحظات، هو الجري والاختباء بعيدا عن جولات الحيوان الأسود الشريد.

الغابة كبيرة، فارغة إلا من قلة يقطعون ممراتها المجلدة، بين حين وآخر، باتجاه «بوتسدامر» أو بوابة «براندربرغ». قبل سنوات، حين كان الجدار يقطع برلين إلى قسمين، لم يكن المرور في هذه الغابة، الواقعة عند حدود تشبه «خط التماس»، أمرا يسيرا، وما كانت تلك الفتاة التي ترتدي ثياب رياضية خفيفة، لا تتناسب مع درجة حرارة تنحدر ما تحت الصفر إلى عشر درجات، وتركض الآن حولي، قادرة على ممارسة هوايتها.

«ألم تتجلد بعد؟»، أقول في نفسي، بتلك المرارة التي تتملكني دوما تجاه ممارسي الهوايات الرياضية. أكمل التوغل. ثمة بحيرة متجمدة. أغرق في صور الماضي. أتخيل ما حدث، عند هذه النقطة تحديدا. اسمع دوي طلقات الرصاص مجددا. هنا، في يناير العام 1919، أعدم مؤسس الحزب الاشتراكي الألماني كارل ليبكنت، رميا بالرصاص. هنا سقط، وكان سقوطه بمثابة إنذار مبكر لسنوات طويلة من الحروب، ستعيشها أوروبا، ومعها العالم.

شبح ليبكنت لا يتجسد أمام ناظريّ، أو لعله هنا، لكنني لا أتمكن من رؤيته. لكنّ حركة بعيدة، ترشدني إلى اتجاه تمثال على هيئة محارة بحر عملاقة، في داخلها ما يشبه الجنين. ما يجسد الحياة. هل أشباح الغابة ترشدني إلى الحياة؟ اقترب من التمثال- المحارة. أتعرف عليها عن قرب. هذه محارة المصمم هوغ ستابين، موضوعة عند مدخل «بيت الثقافات العالمي» الذي أهدته الولايات المتحدة الأميركية لشعب ألمانيا في العام 1957. أصداء من الماضي تتردد من جديد. من عمق الأشجار، بوسعي أن اسمع عبارة أعرف كلماتها جيدا: «السيد غورباتشوف، أهدموا الجدار».

صوت الرئيس الأميركي جون كيندي، الذي ألقى خطبته في هذا المكان، تحديدا، قرب هذه المحارة، في العام 1963 يتنامى إلى سمعي. رحل كندي ورحل الجدار، وبقي الجنين في قلب الصدفة رمزا للحياة والصمود. من بعيد يظهر بيت الرئيس الألماني، وعمود النصر، ونصب بيسمارك. لكنني ابحث عن شيء آخر. جئت إلى هذه الغابة لكي ابحث عن الكتب.

عن سجلات لكتب ومدونات ومخطوطات وأفلام محفوظة في فرع ل«مكتبة برلين الوطنية» الضخمة، موجود في هذه الغابة. مكتبة برلين هذه تضم ملايين المحفوظات. هناك أكثر من 10 ملايين كتاب و40 ألف مخطوطة شرقية و960 ألف أطلس وكتاب جغرافيا و180 ألف مجلة قديمة و3,2 مليون ميكرو فيلم و5,13 مليون صورة و.. تاريخ موغل في القدم، لألمانيا وأوروبا والعالم، محفوظ في سجلات المكتبة، التي لم انجح بعد بالاهتداء إلى طريقها. ابحث عن الكتب، وأخاف من الأشباح، لكنني أضيعهما معا. ربما الأشباح لا تقبع في الأشجار. ربما هي في الكتب.

أتوه. أتعب. أقرر البحث عن مقعد. كل المقاعد، يكسوها الجليد. أقول «لا بأس»، تتسرب المياه إلى ظهري، تلذعني، لكنها تشعرني بانتعاشة مفاجئة. أكمل التوغل. ها أنا، مجددا، على الحدود الشرقية للغابة، من حيث انطلقت. اشعر بارتياح. أعرف طريقي الآن. هذا البناء، الذي يواجهني، ذو التصميم العمراني العصري، يحتضن صالة عزف موسيقى اوركسترا برلين، أو «فيلهارمونيا برلين». البناء شيّد في العام 1963 ويتسع اليوم لأكثر من 2400 مقعدا. الكثير من الدالفين إلى المبنى من كبار السن. «ممنوع التصوير».

برلين ـ «البيان»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات