يتحدث عن معاناة اليهود على أيدي النازيين

«فيلم لم يكتمل» يثير معركة عربية اسرائيلية

صورة

في الصالة رقم 7 من مبنى «سيني ستار»، على مسافة أمتار من قصر مهرجان برلين السينمائي الدولي، ومئتي متر من السرداب المعروف باسم «سرداب هتلر»، وأربعمئة متر من النصب التذكاري ل«الهولوكوست»، دارت أمس الأول «مناوشات»، كان من الممكن أن تتحول إلى معركة حقيقية، حملت عنوان «غزة في مواجهة إسرائيل».

فبعد أن انتهى عرض الفيلم الإسرائيلي التوثيقي الذي حمل عنوان «فيلم لم يكتمل»، ودار حول الأيام الأخيرة لليهود المعتقلين في «غيتو» في بولندا، قبل إعدامهم من قبل النازيين، فاجأت إحدى الحاضرات في الصالة، متحدثة بالألمانية، الجمهور، بتعليق يسخر من مقارنة «هذا الفيلم المؤثر، بما حصل في غزة العام الماضي.. أجد فعلا أن المقارنة سخيفة».

لم يفهم الحضور، ممن لا يفقه الألمانية، بداية الملاحظة، قبل أن تقوم منسقة المهرجان، التي وقفت مع المخرجة والمنتجة على المسرح، بالترجمة: «أجد أن المقارنة ريديكيلوس»، قالتها بالانجليزية. لحظات من الصمت خيمت على المخرجة والمنتجة الإسرائيليتين، اللتين لم تبديا أي رد فعل، قبل أن يذهب النقاش إلى آلية صناعة الفيلم، الذي اعتمد على شرائط دعائية محفوظة في الأرشيف الألماني، كانت تصور اليهود المحتجزين، في أوضاع مزرية، لكي «يتعرف أبناء الرايخ الألماني من الجيل المقبل على حقيقة اليهود، بعد انتهاء الحرب».

لكن غزة، عادت لتضرب بقوة الكرامة الكامنة في رفض اختزال المحرقة الإسرائيلية التي أودت بحياة 1400 مدني من بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، بكلمة «مقارنة سخيفة»، تلقى بسهولة فيها الكثير من العجرفة والغباء. «أعتقد أن الفيلم مؤثر، لكنني اعترض على توصيف آلام الشعب الفلسطيني بالسخف»، علق الزميل علاء كركوتي، الذي كان حاضرا من بين نقاد وصحافيين عرب، أتوا إلى الصالة 7، بدافع الفضول لمعرفة «ماذا تعرض إسرائيل في المهرجان على جمهور أوروبا».

«سوق خضار»

استدعى صوت كركوتي، وعبارته، أصداء كثيرة، تنامت من الزوايا المختلفة للقاعة: «اخرس.. اخرس.. اخرس..»، لم تهدأ عاصفة الأصوات الرافضة حتى لحق صحافي عربي اعترض على سكوت منسقة المهرجان عن الإهانة العلنية التي تعرض لها في صالة عرض سينمائي: «أرجوك أن نتجاوز الأمر، أنا لا ألومك، لكن لا يمكنني أن استمر بهذا النقاش»، هو كل ما تمكنت المنسقة من قوله، فيما استمرت الشتائم الصادرة من الجمهور الإسرائيلي في الصالة، والمتعاطفين معه. الأمر الذي استدعى، بالمقابل، تعليقات مضادة من العرب، والمؤيدين، انتهت بانسحابهم من القاعة، وبعضهم يلقي اشد الشتائم لذعا بحق الجمهور «قليل الأدب».

«لا يمكنك أن تقارن تفاحة بليمونة»، يقول صحافي بريطاني، خارج القاعة. «لكنني لم أقارن، كنت أرد فقط على المقارنة التي ابتكرتها السيدة الألمانية في البداية، كما أنني لا أحب تشبيهك هذا. في نهاية الأمر، لسنا في سوق خضار!».

«لكن لا يمكن إنكار العذاب الذي عانى اليهود قبل الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى إحراقهم»، «لا تورطني في هذا الابتزاز العاطفي، لم أنكر عذابات اليهود، لكن لا أحد بوسعه أن يمنعني من التعاطف مع عذابات شعبي في فلسطين، كما العراق». «أعتقد أن المعاناة واحدة، ولا يمكن لشعب اليهود أن يحتكرها وحده، من بين كل شعوب العالم، ويصر على ربط تاريخ من المعاناة لا ذنب للعرب فيه، بالانتقام منهم اليوم».. هذه عينة من النقاشات التي دارت خارج الصالة.

أجندة

ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف السينما الأوروبية، ولا الهوليودية، عن إنتاج الأفلام التي تؤرخ لما ارتكبه النازيون بحق اليهود في أوروبا. وفي كل سنة، تطال أسهم بعض النقاد منظمي مهرجان برلين السينمائي الدولي، لتعاطفهم مع سينما إسرائيل ودعمهم لمخرجين إسرائيليين، في الوقت الذي يلحظ فعلا غياب شبه كامل للسينما العربية.

لكن آخرين لا يوافقون على أن المهرجان يتحرك بأجندة موجهة ضد العرب، بدليل أفلام إسرائيلية عرضت في الدورات الماضية، وتعرضت للصراع بين إسرائيل والعرب، من دون أن تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية. ففي دورة العام 2007، تمكن فيلم إسرائيلي، هو «بوفور»، يتناول هزائم الجيش في جنوب لبنان، من الفوز بالجائزة الذهبية في المهرجان، الأمر الذي جعل المتعاطفين مع إسرائيل يفتحون نار الانتقاد على إدارة المهرجان التي احتفت بفيلم «يظهر الجنود الإسرائيليون يعيشون العزلة والخوف الذي ينتقل كالعدوى إلي الجميع، فيما يكون علي قائد المجموعة أن يتخطي خوفه وهو يشهد جنوده يسقطون واحدا تلو الآخر».

من جهة أخرى، يحاجج مؤيدو «حيادية» المهرجان، في كونه يعرض في هذه الدورة فيلما عن حرب غزة، ذاتها، يوثق للجرائم الإسرائيلية، في لحظة سياسية حرجة يمر بها الكيان الصهيوني، على خلفية صدور تقرير ل«هيومان ووتش»، قبل أيام، يتهم فيها حكومة إسرائيل بالتهرب من تنفيذ تحقيق جدي بشأن جرائمها في غزة، الشتاء الماضي.

برلين ـ إبراهيم توتونجي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات