يراوح المخرج العراقي الشاب محمد الدراجي، حاليا، عند عمر الثلاثين. في حافظته فيلمان نعرفهما جيدا، اذ ان «أحلام» (2003) عرض ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي، فيما «ابن بابل» (2009)، عرض في مهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي.
الأول، ينحى إلى التوثيقي، والى الدراما المفجعة، حيث قصف مستشفى مجانين في بغداد، «يحرر» المرضى ويدفع بهم إلى جحيم الطرقات، في زمن الاجتياح الأميركي للعراق. في الفيلم الثاني، يكمل الدراجي رحلة توثيق كوارث وخيبات بغداد، وإن هذه المرة، وبعيدا عن الدبابة الأميركية، يغوص في نبش قبور المجازر الجماعية التي ارتكبها نظام البعث العراقي ضد ابناء جلدته، من الأكراد والشيعة..
سقوط صدام: يعود الدراجي إلى الفترة الزمنية التي تلت سقوط نظام صدام في العام 2003، ويصحبنا عبر فيلم مؤثر، في رحلة سيدة (شهزاد حسن) تبحث عن أثر لجثة ابنها المفقود، برفقة حفيدها (ياسر طالب). رحلة على طريق الآلام، يختزل فيها المخرج، عبر الصور والأحداث والشخصيات التي تظهر وتختفي في الطريق، وعبر سيناريو محكم وأداء عفوي لحسن، التي لم يسبق لها التمثيل.
بل أتت من تجربة حياتية مشابهة لدورها في الفيلم، وكانت المرأة الوحيدة التي وقفت في قاعة المحكمة وشهدت ضد صدام، في فترة محاكمته.. يختزل سنوات طوال من الأسى الذي خلفه القمع السياسي والتنكيل اللذين عانى منهما بعض فئات الشعب العراقي أثناء حكم البعث.
كل ذلك جيّد، والفيلم، بغض النظر عن انقسام فئة من العراقيين اليوم حول ضرورة الاستمرار بنبش القبور، وإعادة نشر «الغسيل الوسخ» لحقبة سياسية من تاريخ العراق استمرت سنوات، لاقى استحسانا في الأوساط العربية، لدى عرضه في المهرجانيين المذكورين، قبل طرحه على أقراص مدمجة. السؤال الآن: كيف قدّم الدراجي فيلمه للجمهور الأوروبي في «برلين السينمائي الدولي»، ضمن تظاهرة «بانوراما»؟
زمن السكوت
افترض صناع الفيلم، ربما، أن أرضية ساحة «بوتسدام» (منطقة فعاليات المهرجان) هي أصلا مفروشة بالورود لاستقبال حافل لفيلم يتحدث عن جرائم العنصرية وإبادة النظام الديكتاتوري الحاكم لفئات من شعب البلد، بأبشع الطرق، ثم سقوط هذا النظام، وخروج ذوي الضحايا إلى القبور لنبشها، والى النطق للانتقام من زمن السكوت. قصة الدراجي، التي عرضها في برلين، مألوفة جدا لمشاهدي هذا المهرجان الغارقين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في أفلام تنبش في جرائم النازية وتنتقم لضحاياها.
سواء كنت كرديا أو يهوديا، فالضحية واحدة، وسواء كنت من النازيين أو البعثيين فالإجرام واحد. هذا ما جال في بال كثير من المشاهدين في برلين. هل يرضى المخرج عن ذلك؟ كنا لنجادل أن لا علاقة بالمخرج بالطريقة التي يتم تلقي بها عمله، وبالإسقاطات التي يقوم بها كل نوع من الجمهور على فيلمه، وبالتأكيد فهو لا يريد ان يخرج عن إطار قصته المؤثرة، لكي يلبسها أثواب أخرى (وربما يريد فعلا).
كنا لنجادل أن المخرج الواعد، له الحق كاملا بالتطرق إلى هذا التاريخ الذي ظل طوال سنوات الخوف والقمع، أو الرشاوي الإعلامية و«البرطلة»، مدفونا في الأدراج والسجلات، ولا احد، حتى من أصدقاء البعث في العالم الغربي (في طليعتهم ذات يوم كانت أميركا) كان يجرؤ على البوح بأي معلومة عنه.
كنا لنجادل أن له الحق في ذلك، والرد، تاليا، باستهزاء على نقاد الفيلم الذين هاجموا تغييب مخرجه لصور الاجتياح الأميركي وما خلفه من مآسي في العراق حتى اليوم، بأن يقول ببساطة:» لكنني أردت أن أركز على هذا الجزء من القصة فقط، ولا يسألني أحد عن أجزاء أخرى لم أتطرق لها تماما»..
كنا لنجادل طويلا في وعي الدراجي الذي يصده عن السقوط في أفخاخ استخدام أنواع وأشكال مستهجنة من الابتزاز العاطفي، للوصول إلى جمهور عالمي.. خطأ فادح السنوات الثلاثين للدراجي لم تسعفه جيدا لكي يعي حجم الخطأ الفادح الذي اقترفه ليلة افتتاح فيلمه، بأن استبق الفيلم ببث رسالة مسجلة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، يتحدث فيها عن بشاعة نظام البعث.
«كانت فعلا مفاجأة، لسنا معتادين على هذه النوعية من تقديم الأفلام. الفيلم ربما يكون جيدا، لكن إرفاقه برسالة سياسية، باعتقادي يشبه المزحة»، تقول ماريسيلا روسيتي، إدارية إيطالية في البرلمان الأوروبي، عملت لأكثر من سنتين في الشرق الأوسط بين لبنان وسوريا، وكانت ممن حضروا الفيلم:» وزيرة حقوق الإنسان كانت موجودة أيضا، بدا الأمر وكأن المخرج يحتاج الطبقة السياسية الحالية لكي يؤكد على جرائم الطبقة السياسية الغابرة!». «لماذا يربط مخرج عمله بأي مسؤول سياسي.
ماذا سيحصل لو أن مواقف السياسي تغيرت غدا؟ نعرف انه كان مقربا من الأميركيين طوال الوقت، واليوم ها هو ينادي بأن بغداد ستبقى عصية على الجيش الأميركي. ماذا سيفعل الدراجي لو ان كل سياسي ربط به فيلمه غيّر مواقفه وجمهوره، هل سيتغير هو أيضا. باعتقادي، كان عليه أن يراهن على موضوع الفيلم وكفى»، تقول استر رولانسكي، من هنغاريا، وقد سبق لها ان أعدت فيلما وثائقيا عن حرب العراق.
اخفق مرتين
لم يكن «ابن بابل» بحاجة إلى هذا النوع من التسويق، فهو قد اخفق مرتين: في رهانه على طبقة سياسية متقلبة، وعلى وداعة جمهور أوروبي يعرف جيدا كيف.. تقدم الأفلام!
برلين ـ إبراهيم توتونجي


