أفعى سوداء لها رأس غراب. أم هو مجرد خط شديد الكثافة اللونية. لا انجح بفك ألغاز هذه اللوحة، كما هي غالب اللوحات، المعلقة على جدران صالة العرض الفنية، «العجائبية»، التي قادتني الصدفة للولوج اليها.
شباب يدلفون إلى الصالة، معدل أعمارهم يراوح عند السابعة عشرة، لا يتركون السجائر ولا الكؤوس، ويثرثرون كثيرا، فيدور في ذهني أنني في أحد مشاهد أفلام «الأندرغراوند» الوثائقية التي تصلح للعرض في «مهرجان برلين». رسومات من الغرافكس السوريالي، تحيط بي، وثمة ضوضاء تأتي من الحانة، في أسفل البناء الذي يطلق عليه اسم «شوارزنبرغ»، وتعطيه بعض الأدلة السياحية المرتبة 163، من بين أكثر 316 مكاناً يجذب الناس في برلين. يتألف المبنى من 3 صالات للعرض الفني والحفلات الموسيقية الشبابية.
إضافة إلى ما يشبه مكتبة تباع فيها أسطوانات الجاز وكتب فنون «الآرت كوميكس» وقمصان ذات نقشات فنية، وبوسعك أن تجد أيضاً ملصقات أفلام سينمائية «مرسومة» من.. الغابون! تلك الفتاة التي ثقبت أنفها، وطرف أذنها، ورفعت غرتها إلى أقصى يسار جبينها، تحدق في الكاميرا التي تتدلى من كتفي، كارهة تصرفات «السواح»، لصوص التصوير. الشباب يتحركون ضمن جماعات. طابع «البانك» يغلب على كثر منهم، فيما تشي حركتهم بأفكار بوهيمية.
هنا، في هذا الشارع من شرق برلين، المسمى «روزنتالير»، والذي يبعد مسافة أمتار قليلة عن «جزيرة المتاحف» التي تضم أكثر من 128 متحفا، وآلاف السنوات من التاريخ، المنقوش على «بوابة عشتار» و«شارع الموكب» البابليين، وتماثيل المرمر الهلينية الضخمة، التي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد.. هنا، في «شوارزنبرغ»، لا يبدو أحداً مكترثا بهذا التاريخ، أكثر من اهتمامه بثقافة الصرعات والبوب والرسومات المصورة.
فبعد انهيار الجدار القائم بين شقي المدينة الغربي والشرقي، تم تحويل عدد كبير من الأبنية الفارغة في الشق الشرقي، إلى مساحات تحتضن أشكال مختلفة من «الثقافة البديلة». وتمكنت العاصمة الألمانية، بدءاً من فاتحة تسعينيات القرن الماضي، من استعادة أمجاد ثقافة «البوهيمية» التي كانت تشكل إحدى معاقلها الرئيسية في بداية القرن الماضي.
تصوّر إحدى اللوحات المعروضة حلماً لصبي وفتاة نائمين في السرير. وكما هي الحال في لوحات «شاغال» التي تعرض في صالات «مركز دبي المالي العالمي» بملايين الدراهم، يظهر الحلم معبراً وغرائبياً ويحمل الكثير من الصور، باستثناء كون لوحات معرض «نيوروتيتن»، لا تتجاوز أثمانها خانة الرقمين من اليوروهات.
الخروج من الصالة، من غيمة الدخان التي بثت الدفء في أجواء مدينة يعلقها الجليد ليل نهار، يشبه الخروج من إحدى أحلام الروائي التشيكي ميلان كونديرا (أو ربما كوابيسه). الدرج المؤدي إلى الأسفل، تملأ جدرانه ملصقات ورسوم غرافيتي، تجعلك تتخيّل أنك تدلف العتبات في ألبوم صور.
في الباحة الخارجية، ثمة تمثال معدني على هيئة ضفدعة، تكسبها الأضواء والظلال المنبعثة من الحانة التي صممها فريق «ميتال ماشين» اسمه «الدجاج النافق»، إضافة إلى نتف الثلج الذي يتناثر على رأسها، شكلا خرافيا مخيفا. لطالما أحببت الضفادع، لكن هذه الضفدعة، في ذلك الزقاق المتفرع عن نهاية شارع «أورانيون بيرغر» تخيفني. لعلّ السيرة الخوف في هذا الشارع مزروعة في زواياه، التي تنتشر على ضلوعها اليوم مطاعم الأتراك التي تبيع «الدونر» والفلافل.
هنا، عاشت المجموعات اليهودية في برلين منذ القدم، وكان لها معبد اعتبر الأضخم في المدينة حين بنائه في العام 1866. في العام 1938، ومع قيام «النازية» بترحيل سكان هذه المنطقة إلى بولندا، فرغت مبانيه لأول مرة، قبل إن يحلقها الدمار الشامل بسبب القصف الجوي الشديد للحلفاء، والذي أخفى معالم برلين في العام 1943.
بعد مضيّ نصف قرن من هذا التاريخ، ينتصب اليوم مبنى جديد في نهاية الشارع، في مكان المعبد المدمر، كتبت على لافتته عبارة «المتحف اليهودي في برلين». «مقهى السينما» هو أحد الأمكنة الجذابة في هذا الشارع، ويقع عند عطفة زقاق «الغاليري». النوافذ الضبابية، بسبب برودة الخارج ودفأ الداخل، تتيح توقع أجواء حميمية في هذا المقهى، الذي زينت جدرانه بالملصقات السينمائية والصور وأضيء فضاؤه بنور الشموع.
نهر سبري مجمدة مياهه، ويبدو سطحه كصفائح دموية متجلطة، لكائن توقف عن الحياة. «الترام» لا يزال يعمل حتى ساعة متأخرة، وكل ما يتوجب عليك فعله للوصول مجددا إلى منطقة «قصر المهرجان» هو دفع اثنين ونصف يورو، واستقلال القطار، مع تغيير محطتين. صور أشكال الشباب الذين يقبعون في شرنقة الدخان لا تغادر خيالك، وتستدعي الكثير من التأملات في «بوهيمية» مدينة لا تنام!
برلين ـ «البيان»
