أدى الاهتمام المتزايد بالتخطيط البيئي والعمراني السليم إلى ظهور نزعة بيئية تمثلت في بناء مجموعة من المدن والأحياء السكنية الصديقة للبيئة. وقد ظهرت فكرة بناء تلك «المدن الفاضلة»، مع انطلاق حركة البيئة المعاصرة في سبعينات القرن الماضي.
غير أن المشاريع الجديدة جاءت اعتماداً على إبداعات متطورة ذات تقنيات عالية، بما فيها وسائل النقل الخالية من الانبعاثات، ومواد البناء الخضراء المتطورة، فضلاً عن سياسات أكثر تواضعاً مثل إعادة التدوير.
ولقد بدأ السباق الطويل لتوه باتجاه مدن صديقة للبيئة، بمشاريع ما زال بعضها ينتظر إشارة البدء، وبعضها قد لا يرى النور أبداً، ويبقى حبراً على ورق، مثل مدينة دونغ تا في الصين.
وألقت مجلة «بزنس ويك» نظرة على بعض الأفكار المطروحة، والمشاريع التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي من ضاحية تعمل بتوليد الهدروجين في الدانمارك، إلى مدينة «مصدر» في أبوظبي التي ستستوعب خمسين ألف نسمة، وصولاً إلى جزيرة تشونغ مينغ في الصين التي ستستوعب 500 ألف نسمة في عام 2050.
مدينة «مصدر»
يجري العمل في أبوظبي على قدم وساق في بناء واحة خضراء كجزء من عملية التحول. ويقول مطوروها انها تجسد واحداً من أكثر المشاريع العمرانية طموحاً على الإطلاق. ولا شك أن مرمى هذا المشروع هو الارتقاء بصورة أبوظبي، وتنويع اقتصادها خارج حدود النفط، ناهيك عن إضفاء صورة خضراء للإمارات.
وكان العمل انطلق في 7 فبراير من عام 2007، في المدينة المتكاملة، التي ستكون واحة خضراء خالية من السيارات والكربون والفضلات، والمقرر أن تستوعب 40 ألف نسمة، و1500 شركة تقنية نظيفة، عند اكتمالها في عام 2016.
ويتضمن هذا المشروع العملاق الذي تقدر كلفته بنحو 22 مليار دولار، أنظمة توليد للطاقة الشمسية ومعالجة المياه، هي الأحدث من نوعها، وقطاراً خفيفاً تحت الأرض، وتوربينات للطاقة تعمل بطاقة الرياح، ونظام تبريد للمدينة. وتمتاز المدينة بضيق شوارعها، وتظليلها بالمباني التي حرفت زواياها للسماح للأرياح بالانسياب في أرجاء المدينة.
ونوافذها غير مسلطة بصورة مباشرة على أشعة الشمس، غير أن 80% من مبانيها مغطاة بصفائح شمسية. وتضم «مصدر» قائمة طويلة من الأنشطة، من بينها معهد «مصدر» للعلوم والتكنولوجيا، وهو عبارة عن جامعة للبحوث يديرها تحالف يقوده معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا. وهناك وحدة إدارة الكربون، للعمل على كيفية تحصيل المال عن طريق خفض الكربون من خلال آلية التنمية النظيفة التابعة للأمم المتحدة، وتطوير تقنية حبس وتخزين الكربون.
الجبل الأخضر
وهو مشروع سياحي بيئي يقع في شرقي ليبيا فوق مساحة 5500 متر على طول ساحل البحر المتوسط، ومحمية خضراء ومنتجع سياحي، يقع على قمة الجبل الأخضر في ليبيا. وقد هدفت فوستر وشركاه التي صممته أن يكون نموذجاً يحتذى في بلدان إفريقيا الأخرى.
ورمت الحكومة الليبية من إيجاد الحديقة الوطنية، إلى الإفادة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والبنية التحتية للطاقة المتجددة، إلى جانب بنية تحتية للنقل العام، يتغذى بالوقود الحيوي، ونظام ري زراعي مستدام يعمل بطريقة التنقيط. وسيارات كهربائية خالية من التلوث، بهدف الحفاظ على البيئة والمواقع الأثرية.
مشروع بدينجتون
هو مشروع تطويري سكني صديق للبيئة، في هالبريدج، لندن، انجلترا، ويقع في لندن بورو أوف ساتون. وصممها المهندس المعماري بيل بتسنر، الذي كان يبحث عن طريق للبناء في المناطق الحضرية، أكثر استدامة، والمشروع شراكة بين بيوريجنال، وبيل بنستر آركتكس، وبيدبودي تراست آروب، واستشاري التكلف جانرد وثيوبولد.
وقد بنيت البيوت وعددها 99 فوق مساحة بناء تبلغ 1405 أمتار مربعة بين عامي 2000-2002، ورشح المشروع لجائزة ستيرلنغ برايز في 2003. ويستخدم مشروع بيدزيد فقط الطاقة من مصادر توليد متجددة في الموقع. كما اختيرت مواد البناء من مصادر طبيعية ومتجددة، ومعادة التدوير، وإن أمكن من قطر 35 ميلاً من الموقع. وقد صمم المشروع ليوفر الطاقة بحيث تستفيد المنازل المواجهة للشمال من أقصى قدر من الشمس، مع عزل محكم، ونوافذ ثلاثية الزجاج.
دوك سايد جرين
تحتضن فكتوريا، عاصمة بريتش كولومبيا، واحداً من أكثر المشاريع الطموحة استدامة، التي تنفذ في كندا. وتعتبر دوك سايد حياً سكنياً وتجارياً وصناعياً حقيقاً متعدد الأغراض على طول الميناء الداخلي للمدينة. وتقرر بناء هذا المجمع السكني الذي يضم 1000 وحدة سكنية فوق أرض صناعية مملوكة لمدينة فكتوريا، بكلفة 600 مليون جنيه، فوق 3,1 مليون قدم مربع، من مواد صديقة للبيئة، كيما تتوافق مع معايير «ليد»، الريادة في تصميم الطاقة والبيئة.
نورث ستاو
نورث ستاو، هو عبارة عن مدينة مصغرة تضم 9500 مسكن في كامبريدج شير، في المملكة المتحدة. ومن المتوقع ان تكون نموذجاً للاستدامة في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتقليص الانبعاث الكربوني. ويقع موقع نورث ستاو على بعد ثمانية كيلومترات إلى الشمال الغربي من مدينة كامبريدج بين قريتي أوكنجتون ولونجستاتون، داخل المنطقة الإدارية لساوث كامبيردج شير.
ومنذ إطلاقها، فإن نورث ستاو يتوقع ان يكون نموذجاً تطويرياً منخفض الكربون، بالمعرفة المكتسبة من أماكن أخرى في المنطقة.
ترسيخ
قالت صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها أمس، أن الإمارات، في إطار مساعيها الرامية إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، تأمل في أن يقود معهد «مصدر» للعلوم والتكنولوجيا المسيرة، وهو يعمل بكل جهد حثيث لتجنيد الطلبة والباحثين لهذه الغاية.
وأكدت الصحيفة أن تركيز المعهد الذي تموله شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر»، ينصب حصراً على الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا المستدامة. ويرى القائمون عليه، أن المعهد، وحتى الإمارات، ستكون في أفضل وضع لاستثمار الطفرة في سوق التكنولوجيا الخضراء، بواسطة تدريب قادة المستقبل، وتطوير تكنولوجيا مستدامة عن طريق البحث والتدريب.
ورغم أن الجزء الأعظم من المعهد مازال قيد الإنشاء، فإن الأمكنة الداخلية، من مختبرات، وقاعات دراسة، وغير ذلك من المرافق، تعمل بصورة منتظمة، وقد انتظم الفصل الأول فيها منذ عهد قريب. حيث ضمت الصفوف الدراسية 27 عضواً في الهيئة التدريسية، و88 طالباً من دول مختلفة، مستهلين الدراسة بمشاريع في تكنولوجيا الطاقة المتجددة، وسياسة الطاقة، وإدارة أنظمة الطاقة.
ويأمل الإداريون في أن يستوعب المعهد في غضون خمس سنوات 600 من طلاب الماجستير والدكتوراه، ومائة من الهيئة التدريسي.
ويقول رئيس المعهد، جون بيركنز، أن التحدي الأكبر يتمثل في توظيف أشخاص على درجة عالية من الكفاءة. ولمساعدة معهد «مصدر» في استقطاب وتطوير فرق بحثية عالية المستوى، عقد المعهد شراكة مع معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا. وسيقضي فريق التدريس الجديد قبل انضمامهم للعمل في «مصدر»، عاماً في كامبريدج، ماساتشوتس لوضع مواد تدريسية ومشاريع بحثية مشتركة مع الباحثين في معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا.
ويقول ممثلو معهد «مصدر»، إن جهوده سوف تتعزز بفضل موقعه في قلب «مصدر»، المدينة التي سيكلف بناؤها 22 مليار دولار، والتي تتطلع لتكون أول مدينة خالية من الكربون في العالم. ويقول بيركنز في هذا الإطار، إن المعهد يقع في وسط مختبر حي. مضيفاً أن مدينة مصدر هي مكان جذب للشركات التي ترغب في ترسيخ مكانتها هنا.
وائل الخطيب
