كل هذا الثلج في برلين، يجعلك راغبا في كتابة الشعر، وأمور أخرى، ربما تكون «أكثر أهمية». بعض المدونات عن التغير المناخي، على سبيل المثال؟ بعض الافكار التي طرحها فيلم «ذا ايج أوف ستيوبيد»، الذي شاهدته في دبي، قبل مجيئك بأيام إلى العاصمة الألمانية؟ أطياف فيلم «كوكب البلاستيك» الذي عرض في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبو ظبي، الدورة الماضية. أفكار عن البيئة، باتت تتسرب إلى ذهنك، قبل الشعر، وأنت تحاول توخي الحذر المطلق في خطواتك على الطريق إلى قصر المهرجان، كي لا يسبب انزلاق عابر، بنتائج درامية واقعية مؤذية.

بوابة «براندربيرغ» مساء الجمعة، اختفت معالمها، الا من عربتها المذهبة، على الرأس. ستارة ضخمة، انسدلت على كامل البوابة، التي عرض عليها، في هواء طلق، لاذع البرودة، الفيلم التاريخي الصامت «متروبوليس»، الذي صور في استوديوهات ألمانيا، قبل سبعين سنة، ويعتبر اليوم ارثا حضاريا وثقافيا.

المئات واقفون في مواجهة البوابة، متلحفون بمعاطفهم السميكة، ومسمرون انظارهم على الشاشة العملاقة التي تعرض مشاهد صراع بين الدين والعلم، بين المصنع والرأسمالية.. تمر إلى جانب البوابة، من دون أن يستوقفك العرض، الذي اتيحت لك قبل شهور مشاهدته، في حدث نادر، وأكثر دفئا، بالتأكيد، في «مسرح دبي الاجتماعي» في دبي، حين قامت السفارة الايطالية بعرضه، مرفقا بعرض موسيقي حي على المسرح، ضمن فعاليات أسبوع الثقافة الايطالي.

الستارة التي ينظر الجميع اليها، مشغولة من مادة معاد معالجتها، من آلاف الشرائط والصور والمواد التي استخدمها المهرجان نفسه في السنوات الماضية. رسالة قوية أراد «برلينالي» أن يقدمها، دعما لرسالته التي تهتم بنشر الثقافة البيئية التوعوية. الكثير من الوثائقيات والأفلام المعروضة في دورته الستين تدور في الفلك نفسه. برلين وألمانيا، تدوران في هذا الفلك منذ سنوات.

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل جعلت منذ زمن بعيد «البيئة» جزءا أساسيا من أجندتها، وهي خطوة ذكية من بلد توجد فيه واحدة من أقوى حركات الدفاع عن البيئة. في العام 2007، وحين تولت ألمانيا القيادة الدورية لكل من جماعة الدول الثماني والاتحاد الأوروبي، جعلت ميركل المناخ والطاقة محور فترة رئاستها للمؤسستين.

وفي واقع الأمر، يعود الفضل إلى ميركل في حقيقة أن أوروبا تفاوض الآن على القواعد الخاصة بخفض الانبعاثات الغازية من السيارات، وخفض انبعاثات غازات الدفيئة الأوروبية بواقع الخمس ورفع مقادير الطاقة المتجددة فيها والوقود الاحيائي (فشل بعض هذه المقاربات في كوبنهاجن) وكذلك فإن ألمانيا تدفع بشدة نحو استحداث مصادر طاقة متجددة فيها، وهي الطاقة التي تمثل 14 بالمائة فقط من طاقتها الحالية.

عظمة الصناعة الألمانية

واجهات شركات السيارات في شارع «دن لنتن» زاهية الأضواء في هذا المساء، رغم أنها مقفلة. شيء من الترهب يتغلل إلى قلبك وأنت تفكر بعظمة الصناعة الالمانية. هذه العظمة التي ربما، ستقف في وجه قيادات برلين، لدى وضعهم الاجندة البيئية. تخاف ميركل، فعلا، أن تضر حماستها البيئية بالصناعة الوطنية.

في العام 2007 خفف «الاتحاد الأوروبي» من خطته الهادفة إلى إجبار صناعة السيارات على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وذلك للمصلحة الاقتصادية الهائلة للشركات التي تصنع السيارات الكبيرة التي توفر في استهلاك الوقود نسبيا، مثل الشركتين المصنعتين لسيارات بي أم دبليو وبورش. في ديسمبر الماضي، وفيما كانت تتحدث عن قيمة خفض الانبعاثات، نددت ميركل بتلك الأهداف الجديدة، مجادلة بأن المفوضية الأوروبية كانت تضع «سياسة صناعية على حساب ألمانيا والصناعات الألمانية».

وفي مارس الماضي، تزعمت ميركل دفع المفوضية الأوروبية إلى إعداد قائمة بالقطاعات الصناعية المستهلكة للطاقة بصورة مفرطة التي ستكون معفاة من نظام الاتجار بالكربون في أوروبا إن لم يكن هناك اتفاق عالمي مماثل. خبرة الصناعات الألمانية، كما يقول ريغين غونثر، رئيس برنامج دبليو دبليو أف لتغير المناخ في ألمانيا، تتمثل في أنها «تشعر بواسطة قوتها أنها تستطيع تحريك السياسة وهي ستواصل فعل ذلك».

إبداع تكنولوجي

الفرق بين الكلام والعمل يتعدى البيئة. فميركل تدعو إلى الإبداع التكنولوجي، ومع ذلك فهي وعدت حين كانت تشكل حكومتها بحماية شركة «دويتشه تليكوم» المملوكة جزئيا من قبل الدولة، من قانون أصدره الاتحاد الأوروبي يدعو إلى السماح لمنافسيها باستعمال شبكة الموجة العريضة التابعة لها، وهو ما يساعد على زيادة التنافسية ويخفض الأسعار. وقبل سنتين، جر الاتحاد الأوروبي ألمانيا إلى المحكمة على أساس أنها تنتهك قواعد التنافسية للاتحاد الأوروبي.

ولا تزال القضية معلقة في المحكمة، ولكن الوصول إلى شبكة الموجة العريضة الألمانية لا يزال أقل منه في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وخمس دول أخرى عضوة في الاتحاد الأوروبي. والقصة هي ذاتها في ما يتعلق بأمن الطاقة. فدول الاتحاد الأوروبي تكافح بضراوة من أجل مواكبة الأسعار المرتفعة للنفط واعتماد الدول الأعضاء على الموردين غير الموثوقين للطاقة مثل روسيا.

ميركل حثت علنا الصناعات على البحث عن أنواع وقود بديلة وأكدت للاتحاد الأوروبي مرارا أنها لن تواصل العلاقة الوثيقة مع روسيا، وهي العلاقة التي رسخها سلفها شرويدر. ومع ذلك فإن ميركل كانت أول زعيم أوروبي يتوجه إلى موسكو لتهنئة ديمتري ميدفيديف على فوزه في الانتخابات الرئاسية التي شابتها الشكوك في مارس 2008.

تفاصيل كثيرة تستردها ذاكرتك، وأنت تتأمل في شوارع برلين المتجمدة. هل كانت الطبيعة لتحتفي بالمهرجان، بطريقة مختلفة، لو كانت الانبعاث الحرارية أهدأ؟ تروق لك المفارقة: «ربما الربيع، وكثير من الورود، احلى للاحتفال بالسينما».

برلين ـ «البيان»