«هل أتيت فعلا من دبي؟ هل قطعت كل هذه الطريق؟ أهلا بك في ألمانيا، لدينا هنا ثلج حقيقي؟، وليس مدرجا اصطناعيا للتزلج!». لاتفهم بالضبط ما الذي يود موظف ال«لوفتهانزا» هذا قوله لكن شيئا ما يستفزك على الفور، فتقول ساخرا: «حقا، جيد جدا. أتمنى لك نهارات سعيدة حتى التجمد».
ثم تفكر بكلامه: هل هو نوع من حس النكتة الألماني الذي تحتاج إلى وقت للتمرن عليه؟ أم أن الأمر برمته مجرد ملاحظة عابرة، من نوع تلك الملاحظات التي ترمى على الطائرات، حين يتجاوز طول الرحلة الساعات السبعة (رداءة الطقس أضافت ساعتي تأخير للإقلاع من فرانكفورت إلى برلين).. فيقول الناس «أي شيء»، ولا يصبح للمعاني قيمة أو اعتبار. أم أن المعنى يبقى في قلب ال«لوفتهانزا»، وطاقمها، المغتاظون قليلا من دبي بسبب ناقلتها النشطة «طيران الإمارات»، والحصص التي تربحها، بشكل متزايد، من رحلات المسافرين الآسيويين والأفارقة إلى أوروبا.
تمر كل الاحتمالات في رأسك وأنت تتهيب لمواجهة موظف الجوازات الذي يسألك، بلطف، «ما الذي جئت تفعله، بالضبط»، وهو يقلب جواز سفرك (غير الأوروبي طبعا) ثم موظف الجمارك الذي يسألك «كم حملت معك من مال»، وصولا إلى صحافية ألمانية في «قصر مهرجان برلين السينمائي الدولي»، تسألك أن كان بوسع دبي أن تعرض، فعلا، أفلاما جريئة، تناقش قضايا تتعلق بالدين الإسلامي.
«يا الله»، تأخذ نفسا عميقا، وأنت تجتاز الطريق للوصول إلى «المول» الذي قصدته لتشتري شريحة رقم هاتف ألماني: «لا أريد أن أغرق في الانطباعات الأولى. ولا في الدوامة التقليدية من أفكار الصراع الحضاري بين الغرب العلماني والشرق المسلم. سوف أحيّد كل التوهمات، عن بالي، وأهتم بالسينما. السينما فقط. في نهاية المطاف، كوني عربيا ومسلما في برلين، أتحرك بمعطف ثقيل يشبه معطف عميل مخابرات من زمن ألمانيا الشرقية، فهذا ليس بحدث، ولايتوجب عليه أن يشغل أحدا، ولا حتى نفسي». الموظف في محل الالكترونيات يطلب البيانات الكاملة عن جواز سفرك، قبل أن يبيعك الشريحة. في الخارج، بخار ساخن يتصاعد من فمك، فيما نتف ثلجية تدلف إلى عينيك.
تقلّب كتاب «المهرجان» لكي تحدد الأفلام التي يتوجب عليك مشاهدتها. تقع عيناك على «اسمي خان»، الفيلم الهندي الذي يعرض ضمن الأفلام المتنافسة على الدب الذهبي، والذي عرض في الإمارات قبل عرضه في برلين بيومين. تشعر بغبطة لهذا السبق الذي حققته صالات السينما في دبي، ثم تنتبه أنك قطعت على نفسك وعدا بعدم الانزلاق إلى هذا النوع من الانفعالات العاطفية. تنتبه أيضا ألا تنزلق على الرصيف المكسو بطبقة جليد، يحاول العمال الذين يرشون فتات الرمل فوقها، أن يخففوا من احتمالية السقوط.
أنجز كاران جوهار، مخرج «اسمي خان» وكاتبه، عملا يريد منه أن يترك رسالة محبة وسلام بين العالم الغربي والإسلام، بعد الشرخ الكبير الذي خلفته أحداث 11 سبتمبر. بهذه البساطة البوليودية، يعبر عن أفكاره. ببساطة أخرى، وإن كانت على النقيض الآخر، يشرح المخرج الألماني الباكستاني برهان قرباني فكرته عن معنى «الشهادة» في العقيدة الإسلامية.
النطق بالشهادة عتبة رئيسية إلى الإيمان، لكن برهاني، في الفيلم الذي عنونه بالكلمة ذاتها «شهادة»، والذي يعرض أيضا ضمن المسابقة الرسمية، يحكي لنا 3 حكايات أبطالها مريم وسمير وإسماعيل، يعيشون في برلين، وتتقاطع حياتهم بشكل أو بآخر. الثلاثة مرتبطون بإمام المسجد، فمريم ابنته وسمير يحضر عنده دروس تحفيظ القرآن مم رفيقه الألماني المسلم دانيال، وإسماعيل شرطي في الجوار. مريم تحبل في علاقة غير شرعية، وسمير يطور مع رفيقه الألماني علاقة تتجاوز الصداقة إلى المشاعر.
ثم يقرر المخرج أن يخرج ب«توصيات» إلى المشاهد الغربي، مفادها أن «الشهادة» مسألة نسبية، وهي يتوجب أن تعني القناعات الخاصة التي يطورها كل فرد، بغض النظر عن «المفروض». الفيلم، الذي يعتبر إنتاجا ألمانيا، يختزل، بالطبع، قضية شائكة تتمثل باندماج المهاجرين المسلمين في مجتمعه الألماني، والأوروبي بشكل عام، بقصة، قد يرى البعض أنها تحمل الكثير من التسطيح ولا تنفذ إلى عمق المسألة. تقرر أن تبحث أكثر عن عناوين تتعاطى مع مسائل شبيهة، فتطل عليك إيران تارة وتركيا تارة.
«لماذا يجد هذا المخرج اهتماما بتمويل فيلم عن إمام مسجد في برلين، تدور ثلاث شخصيات في فلكه؟»، تسأل، فيجيبك البعض «لعله الاهتمام بتسويق الإسلام الأوروبي، وقد يكون لهذا الفيلم دور المساعدة والتحريض». الإسلام الأوروبي؟ تصاب بسوء الفهم، وتتمنى لو تعود إلى الوعد الذي قطعته على طائرة « لوفتهانزا». ينصحك أحدهم بزيارة.. معهد بخاري، وهكذا تفعل.
برلين ـ إبراهيم توتونجي



